حياة اليوم قبور الأمس حيث كان الأمس حياة اليوم، فالأمس القريب الذي كان يضج بالحياة وبالفطرة وبالرجولة الحقة والأنوثة السعيدة وتقديرهم لحياتهم وأدوار كل منهم مكملين لبعضهم محافظين على حدود كل منهم للآخر، صار اليوم مجرد ذكرى باهتة ومدفونة في تاريخٍ مضى، بينما واقعنا الحالي الذي نسميه حياة هو في الحقيقة قبر بارد من المشاعر والقيم الأصيلة التي عايشناها فيما مضى وفي الصغر وعاشها الآباء والأجداد والأمهات العظيمات، فكان الأمس حياةً بالمعنى الحقيقي لروح الحياة والتعاون والتكاتف والصبر والأناة والتقدير المتبادل، فكان الرجل رجلاً يملأ بيته هيبةً ورعايةً وحكمة، والمرأة امرأةً تملأ بيتها حباً وحناناً وطاعةً ورضاً بما قسمه الله لهم، فكانت الأدوار واضحة كوضوح الشمس لا كذب ولا مواربة ولا تدليس، والبيوت وإن قلَّ فيها المال فقد فاض فيها المأوى والاستقرار الأسري.
أما اليوم فقد انقلبت الآية وتحولت تلك الحياة إلى قبورٍ من الذكريات، وأغلب الأسر تعيش في حياة هي في جوهرها ضيقٌ ونكد وتعاسة وخلط للأدوار وتماهي حتى غابت روح الحياة. لقد استبدلنا السكينة والهدوء بالندية والتحدي، واستبدلنا الود وتبادل الاحترام بالشروط والعقد الوظيفي، وطغت على حياتنا الماديات، الرجل يلهث خلف رضا لا يأتي واستقرار مهزوز، والمرأة تلهث خلف استقلالٍ وأوهام مزقت أثواب أنوثتها فقل حياؤها، فأصبح في البيت رجلان يحاول كل منهما أن يثبت أنه الأحق.
إن الإعاصير التي ضربت مجتمعاتنا لم تترك من الأمس إلا أطلالاً في الاستراحات أو تنهيدات في المجالس وفي دور الإصلاح. لقد أصبحنا أسرى لحداثةٍ غريبة عنا وعن مجتمعاتنا أعطتنا المادة وسلبت منا الروح. فالزواج الذي كان ميثاقاً غليظاً وعهداً بتحمل المسؤوليات صار اليوم ساحة لإثبات الذات وتقزيم دور رجل البيت، حيث يبيت الرجل فاقداً لقيمته وتبيت المرأة تائهة تبحث عن نفسها في غير مكانها الطبيعي. البيوت في حقيقتها تُبنى على الود والاحترام والتوازن وتوزيع الأدوار وقيام كل فردٍ بمسؤولياته، فلا يتنازل الرجل عن دوره الأساسي في حفظ البيت والقيام على شؤونه، وفي المقابل لا بد للمرأة أن تقوم بدورها الحقيقي راعيةً لبيتها ولزوجها، مربيةً لأولادها، فإن البيوت تُبنى على هيبة الرجل وحنان المرأة، وإلا فهي قبورٌ مزينة بالديكور يسكنها غرباء، يلتقيان على طعام ويفترقان على همٍ ونكد
إننا أمام معضلة جسيمة، فإما زواجٌ يقوم على الفطرة والاحترام المتبادل الذي يرى في الرجل سيداً وسنداً، أو إنتاج أجيال هشة وبيوتٍ باردة عارية تُدار بعقود وظيفية وبشروط خالية من الروح، سرعان ما تنهزم مع أول عاصفة تُثار، فلا أسس ولا بناء ولا قواعد ترسوا عليها حياتهم، فكان الضياع حليفهم والفراق أنيسهم، فمات الرجال وهم أحياء وماتت النساء بلا حياء.
“ملاحظة:
أوردتُ بأنَّ الرجل هو (السيد)، مستشهداً بقول الله تعالى: {وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ}؛ ويُعنى بالسيد هنا: الزوج.”
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














