في لحظات التاريخ الفارقة، لا تُقاس القرارات بوقعها الآني فحسب، بل بما تمنعه من كوارث، وما تفتحه من آفاق.
وفي 26 مارس 2015، لم تكن عاصفة الحزم مجرد عملية عسكرية، بل كانت لحظة وعي عربي حاسم، أعادت تعريف معنى المسؤولية الإقليمية، ورسّخت مبدأ أن سقوط الدول ليس قدراً، وأن مواجهة مشاريع الفوضى ليست خياراً مؤجلاً.
حينذاك، كان اليمن يقف على حافة الانهيار الكامل.
العاصمة صنعاء سقطت تحت قبضة المليشيا الحوثية، ومؤسسات الدولة تهاوت تباعاً، فيما كانت الأجندة العابرة للحدود، المدعومة من إيران، تتقدم بثقة نحو إعادة تشكيل اليمن كمنصة نفوذ إقليمي، تُدار بمنطق المليشيا لا بمنطق الدولة.
في تلك اللحظة، نهضت المملكة العربية السعودية، لا بوصفها طرفاً في صراع، بل كحامل لمشروع استقرار، وقائدة لتحالف عربي أدرك أن ترك اليمن يغرق بالكامل في قبضة الانقلاب، لن يعني فقط سقوط دولة، بل اختلال ميزان المنطقة برمتها.
فجاء القرار سريعاً، حاسماً، ومؤسساً لمرحلة جديدة عنوانها… استعادة الدولة ومنع الاختطاف.
لقد شكّلت عاصفة الحزم، في جوهرها، عملية إنقاذ استراتيجي. فمن دونها، كان اليمن مرشحاً لأن يتحول إلى كيان معزول، تحكمه المليشيات، وتُدار مفاصله وفق مشروع أيديولوجي لا يعترف بالدولة الوطنية ولا بسيادتها.
كانت ستُغلق نوافذ السياسة، ويُصادر صوت المجتمع، ويُعاد تشكيل الهوية اليمنية ضمن إطار ضيق لا يحتمل التنوع ولا يقبل الشراكة.
غير أن التدخل العربي، بقيادة الرياض، أوقف هذا المسار. أعاد رسم خطوط التوازن، ومنح الشرعية مساحة للصمود وإعادة التنظيم، وفتح الباب أمام استعادة أجزاء واسعة من الجغرافيا اليمنية. والأهم من ذلك، أنه أسقط فكرة الحسم السريع للمليشيا، وأعاد القضية اليمنية إلى سياقها الطبيعي: صراع بين مشروع دولة ومشروع انقلاب.
ولم يكن الدور السعودي مجرد قيادة عسكرية، بل كان مشروعاً متكاملاً جمع بين الحزم والرؤية.
فإلى جانب العمليات الميدانية، حملت المملكة العربية السعودية على عاتقها مسؤولية إنسانية وتنموية كبرى، عبر دعم الاقتصاد اليمني، وإغاثة المتضررين، ومساندة مؤسسات الدولة، في مشهد يعكس عمق الالتزام تجاه اليمن، أرضاً وإنساناً.
لقد أدركت الرياض، منذ اللحظة الأولى، أن المعركة في اليمن ليست معركة حدود، بل معركة مصير مشترك. وأن حماية اليمن من السقوط، هي في جوهرها حماية للمنطقة من الانزلاق نحو فوضى مفتوحة، لا تُبقي ولا تذر.
وبعد سنوات من انطلاق عاصفة الحزم، قد يختلف التقييم في تفاصيل المسار، وتبقى التحديات قائمة، لكن الثابت الذي لا يقبل الجدل هو أن هذه العملية غيّرت مسار التاريخ اليمني.
فقد منعت سقوطاً كاملاً، وأبقت فكرة الدولة حية، وحالت دون ترسيخ واقع المليشيا كأمر نهائي.
إن ذكرى عاصفة الحزم ليست مجرد استعادة لحدث، بل هي استحضار لمعنى. معنى أن هناك من يقف حين يتردد الآخرون، وأن هناك من يتحمل كلفة القرار حين تتعاظم المخاطر.
وهي قبل ذلك وبعده، شهادة على دور المملكة العربية السعودية كقلب للعروبة النابض، وكدولة تدرك أن استقرار الجوار ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة وجودية.
في هذه الذكرى، لا يكتب اليمنيون عن حرب فقط، بل عن لحظة إنقاذ.
عن قرار أعاد التوازن، ومنع الغرق، وأبقى الأمل ممكناً في وطن كان على وشك أن يُختطف بالكامل.
وهكذا، تبقى عاصفة الحزم، في الذاكرة الوطنية، أكثر من عملية عسكرية…
إنها لحظة انتصار لإرادة الدولة، ودرس في أن الحزم، حين يقترن بالحكمة، يصنع التاريخ.














