/
/
“مصر التي في خاطري”

“مصر التي في خاطري”

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

مصر التي في خاطري
كانت القاهرة يوماً ما سيدةً أنيقة ذات جمالٍ فاتن ترتدي فستاناً من أشجار الكافور والنخيل وتتزين بعقود من الأضواء الخافتة على ضفاف نيلٍ هادئ. في تلك السنوات الخوالي، والتي امتدت فيما أعتقد من أربعينيات القرن الماضي وحتى أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، لم تكن القاهرة مجرد عاصمة، بل كانت حالة شعورية. كانت مدينةً مبتسمة يفوح من حاراتها عبق الياسمين ومن مقاهيها صوت أم كلثوم الذي يضبط إيقاع الشارع المصري.
وفي ذلك الزمن الجميل، كان المصري خفيف النفس لطيف النكتة بالفطرة. لم يكن الأدب حكراً على النخبة والطبقة العليا، بل كان “بائع الصحف” يقرأ لنجيب محفوظ و”سائق التاكسي” يدندن بألحان السنباطي. كان الرقي يظهر حتى في التفاصيل في “طربوش الأفندي” الذي يحترم الطريق وفي “فساتين السيدات” التي تعكس ذوقاً عالمياً وفي “السينما” التي كانت تُعلّم الناس كيف يحبون وكيف يختلفون بأدب. كانت الضحكة صافية ومهذبة، والود هو الرابط المقدس الذي يجمع القلوب قبل البيوت.
وعلى الرغم من أنني لم أعش جل تلك الفترة الذهبية بكل تفاصيلها، ولربما عشناها عبر التلفاز وما كنا نقرأ في الكتب، وبالنسبة لي لم أختلط بشكل مباشر بعائلاتها في أوج عزها، إلا أن لي ذكريات وزيارات جميلة تعود لزمن بعيد كانت بحق أحلى أيامي التي قضيتها هناك. لكن في الزيارات المتكررة الأخيرة، صار الحزن يسبق اللهفة، فرغم اشتياقي الدائم لها وحنيني الذي لا ينقطع للعودة إليها، إلا أنني حين أزورها اليوم تتملكني رغبة غريبة في العودة سريعاً من حيث أتيت. لقد تغير كل شيء من حولي، فلم تعد مصر هي تلك التي عرفتها ولا المصريون هم من كنت أعهدهم وأستأنس بلقائهم، وكأن روح المكان قد تبدلت أو كأن الزحام قد أكل من جرف المحبة والهدوء الكثير.
إن ما يحزن القلب هو حال مصر الآن، تلك الدولة التي كانت منارةً باتت اليوم تعيش حالة من الاستجداء وهي تحتضن مئة مليون نسمة وأكثر، حتى أصبحت دول وشعوب كثيرة لا تنظر إليها بعين الود القديمة. تعاني مصر اليوم الأمرين وتتخبط يمنة ويسرة، تريد المال ولكنها لا تعمل لأجله. تتحدث عن العلم والمعرفة وما زالت تعيش على الأطلال، تنشد الصناعة والقوة وهي لا تزال رهينة الهبات والمساعدات.
والكارثة الأكبر أن أغلب النخب ما زالوا يعيشون على الخطابات الرنانة لإرث عبد الناصر، تلك الخطابات التي لم تقدم يوماً الرغيف ولا العيش الهني للمصريين. هذه هي الحقيقة المرة التي نراها اليوم في تخبط القراءات وفي الإسفاف الذي يملأ منصات التواصل الاجتماعي، والغوغائية وحب الفوضى، مما أدى إلى انحدار شديد وضعف عام في كل شيء، حتى طال الأمر “الأزهر الشريف” الذي ضاعت هيبته وبات يتبع أهواء كل نفس طائفي بغيض.

ومع كل هذا الجفاء، يظل الولاء لدى المواطن المصري لبلده عظيماً وقوياً رغم قساوة الظروف، ومن المؤكد أنه لو أُعطي الأمان الوظيفي وعدالة الحقوق، لغير معالم البلد إلى أفضل بلاد العالم. إن العلم هو أساس التطور وصناعة الأنفس البشرية أولى من الجمادات وبنائها.

لذا أرى أن تهتم القيادة بشعبها، تعليمهم وتثقيفهم، والاستثمار الحقيقي فيهم بدلاً من التشبث بما في أيدي الآخرين أو البحث عن أزمات مع دول الجوار ومواقف كاذبة تضاف إلى سجل البطولات المزيفة. انشغلوا بما لديكم من مشاكل، فقد أشغلتم البرلمانات والإعلام بما لا يضيف إلا الأعباء. وللأسف، هناك عامل مشترك يجمع بين مصر وإيران اليوم، وهو الانشغال عن الداخل بالمشاريع الخارجية. فإيران انشغلت بالتسليح وتشتيت المسلمين، وأنتم انشغلتم ببناء الخرسانات والقصور الصماء، وكلاكما على حساب تجويع الشعوب علماً وغذاءً، وإشغالهم بالمهاترات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حتى لا يرى الناس حجم الإخفاقات الحقيقية.

السؤال الذي يراودني: هل يمكن للرقي أن يعود؟ إن الإجابة تكمن في أن الجينات الجمالية للمصري لا تموت أبداً، بل تغفو تحت وطأة المتغيرات، وهي اليوم بانتظار فتح الآفاق ليكون الإبداع هو المحرك في إدارة البلاد، والإخلاص هو المقياس في الأداء، وبذلك يعود المصري سنداً لبلاده ولأمته العربية. إن العودة للرقي تبدأ من استعادة قيمة الإنسان ومكانته قبل الحجر، فالإنسان هو الأصل والأساس، وبدونه لا تقوم للخرسانات قائمة.
لك الله يا مصر، وحماك الله من عبث العابثين، وأعاد إليك ضحكاتك التي ضاعت في زحام السنين، ليعود ذلك المصري الجميل كما كان دوماً.
بقلم : عائض الشعلاني.

 

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى