/
/
الإعلامي “رشيد الزهراني”: بين دفء الطين ووهج الشاشات… رمضان حكاية زمنين وروح واحدة

الإعلامي “رشيد الزهراني”: بين دفء الطين ووهج الشاشات… رمضان حكاية زمنين وروح واحدة

Picture of أضواء الوطن – حوار: محمد سعد آل ماضي

أضواء الوطن – حوار: محمد سعد آل ماضي

يأتي رمضان كل عام محمّلًا بذاكرةٍ تتجدد، لكنه لا يعود بالصورة ذاتها. فالشهر الذي كان يُعاش على إيقاع المجالس المفتوحة وأحاديث السمر في أحياءٍ متقاربة، بات اليوم يتشكل في فضاءٍ رقمي تتصدره الشاشات وتعيد صياغته المنصات. تغيّرت المشاهد، وتبدلت الأدوات، وتسارعت وتيرة الحياة، غير أن المعنى ظلّ عصيًا على التحوّل.

في المجتمع السعودي، تبدو التجربة الرمضانية مرآةً دقيقة لتحولات أوسع طالت البنية الاجتماعية وأنماط التفاعل اليومي. جيلٌ ارتبطت ذاكرته بروائح البيوت، وأصوات المؤذنين، واللقاء الوجاهي المباشر؛ وجيلٌ تتوزع تفاصيل يومه بين البث المباشر، والتطبيقات الذكية، ومحتوى اللحظة. وبين هذين الإيقاعين، تتجلى معادلة دقيقة: وسائل تتغير، وقيم تستمر.

في هذا الحوار، نستضيف الزميل الإعلامي رشيد الزهراني لكي يقدم قراءة تحليلية لهذه النقلة، متوقفًا عند أثر التحول الرقمي في تشكيل الوعي الرمضاني، ومؤكدًا أن رمضان — رغم تحوّل صورته — ما زال يحتفظ بعمقه الروحي وصلابته الاجتماعية.

■ كيف تصف ملامح رمضان في الماضي كما عاشه الجيل السابق؟

اعلان

رمضان في الماضي كان بسيطًا في مظهره، عميقًا في أثره. تبدأ الحكاية من “السطوح”، حيث يترقب الناس رؤية الهلال بالعين المجردة، في مشهدٍ تختلط فيه مشاعر الشوق بالرهبة. لم تكن هناك تطبيقات رقمية أو تنبيهات فورية؛ كانت الأخبار تنتقل شفهيًا، وأحيانًا تُعلن عبر طلقات البنادق التي تؤكد دخول الشهر.

كان المسحراتي شخصية محورية في المشهد الرمضاني؛ يجوب الأزقة، يطرق الأبواب، وينادي بأسماء أهل الحي، في علاقة مباشرة تعبّر عن ترابط المجتمع وقربه. أما تفاصيل الحياة اليومية فكانت أكثر هدوءًا؛ لا ازدحام تجاري، ولا استهلاك مفرط، بل استعداد بسيط يعتمد على المتاح، وتغلب عليه روح القناعة.

■ وماذا عن المائدة الرمضانية آنذاك؟

المائدة قديمًا لم تكن غنية بتنوع الأصناف كما هي اليوم، لكنها كانت مشبعة بالبركة. التمر، والشوربة، واللقيمات، وبعض الأطباق الشعبية البسيطة، كانت تكفي الجميع. لم تكن القيمة في كثرة الأطباق، بل في روح المشاركة التي تحيط بها.

ومن العادات الاجتماعية الجميلة ما يُعرف بـ«الطُّعمة»، حيث يتبادل الجيران الأطباق قبيل أذان المغرب، فتتحول الأزقة إلى مساحة حيوية للتواصل، وكأن الحي بأكمله أسرة واحدة. كان الإفطار لحظة جماعية حقيقية تتجاوز حدود البيت الواحد، وتعكس عمق الروابط الاجتماعية.

■ كيف تقرأ التحولات التي طرأت على رمضان في الحاضر؟

نحن اليوم أمام رمضان مختلف في أدواته، لا في جوهره. المسحراتي حلّت مكانه إشعارات الهواتف الذكية، والمجالس الشعبية التقليدية تطورت إلى خيام رمضانية منظمة وفعاليات ثقافية تجمع بين التراث والتقنية.

كما تغيّر مفهوم الاستعداد للشهر؛ فإلى جانب المؤونة الأساسية، برز الاهتمام بزينة رمضان، والبرامج الترفيهية، والمبادرات الثقافية، والأنشطة المجتمعية المنظمة. حتى التسوق انتقل إلى المنصات الإلكترونية، وأصبح جزءًا من التجربة الرمضانية الحديثة. هذه التحولات تعكس تغير نمط الحياة وتسارع إيقاعها، لكنها لا تلغي الثوابت.

■ هل أثّر هذا التحول على الروح الرمضانية؟

التحول طال الشكل دون أن يمس الجوهر. الروح الرمضانية — المتمثلة في التكافل، وصلة الرحم، والاجتماع الأسري — ما زالت حاضرة بقوة. لا تزال العائلة السعودية تحرص على الإفطار الجماعي، ويظل بيت كبير العائلة مقصدًا أساسيًا في الشهر الفضيل.

صحيح أن نمط الحياة أصبح أسرع، وأن الشاشات باتت حاضرة في تفاصيل اليوم، لكن الحاجة إلى الدفء الأسري والتواصل الحقيقي تزداد في رمضان تحديدًا، وكأن الشهر يعيد التوازن وسط إيقاع العصر المتسارع.

■ ماذا عن مفهوم العطاء بين الماضي والحاضر؟

في الماضي، كان العطاء مباشرًا وقريبًا؛ توزيع الطعام على المحتاجين في الحي، والمساندة الشخصية، والمشاركة الوجدانية. اليوم تغيّرت الوسائل، فظهرت منصات التبرع الإلكتروني، والمبادرات الوطنية المنظمة، والعمل المؤسسي في مجال المسؤولية الاجتماعية.

يمكن القول إن التقنية لم تُلغِ قيمة العطاء، بل وسّعت نطاقه وأعادت تنظيمه. أصبح بإمكان الفرد أن يسهم في مبادرات تتجاوز حدود حيه ومدينته، بل وتمتد إلى نطاق أوسع، وهو تطور يعكس نضج الوعي المجتمعي واتساع مفهوم المسؤولية.

■ بين بساطة الأمس ورفاهية اليوم… أيهما أقرب إلى القلب؟

لكل زمن جماله الخاص. بساطة الأمس تحمل حنينًا عاطفيًا عميقًا، لأنها مرتبطة بالطفولة وصورة المجتمع المتقارب الصغير. أما اليوم، فرغم تعقيداته، فإنه يوفر مساحات أوسع للمعرفة والانفتاح والتواصل.

الأهم أن يبقى رمضان مساحة لإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد القيم، وتعزيز الترابط الإنساني. فإذا تغيّرت الأدوات، فإن الرسالة تبقى واحدة: رمضان شهر عبادة ورحمة، وموسم تواصل يتجاوز حدود الزمن.

ختامًا
تتقدّم «أضواء الوطن» بجزيل الشكر والتقدير للزهراني على هذه الرؤية الواعية والتحليل المتزن، سائلين الله له دوام التوفيق، وأن تتجدد اللقاءات في مناسبات قادمة.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى