في كل موسم ومناسبة يتحول الجميع فجأة إلى مسرح كبير “الكل يُبدع فيه” ويتقن كل الأدوار، كلمات تُرص وتُنمق، ابتسامات صفراء توزع هنا وهناك، ووجوه عليها كل أنواع الأقنعة، وآخرون ينساقون إلى التقليد الأعمى، الكل نعم الكل إلا من رحم ربك، تراه يحرص على الظهور وعلى توثيق كل شيء عبر الصور والسنابات، وفي خضم هذا الصخب ننسى أو نتناسى كل من حولنا من الضعفاء والأقرباء المتعففين والمرضى وأصحاب الحاجات، فكلنا نصاب بحالة من الذهول وفقدان الذاكرة والنسيان ونتصنع الانشغال، عندما يحتاج إلينا المرضى والضعفاء والعاجزون ولو بكلمة فيها إحساس بالاهتمام وشعور بالرحمة لتخفيف ما أصابهم من أقدار الدنيا، نسأل الله السلامة، لماذا نصاب بالذهول والتوهان لا ندري، نتساءل؟ ماذا أصاب مجتمعاتنا فلا نجد لذلك جواباً شافياً لهذا الداء الاجتماعي العضال.
فمن يلتفت إلى هؤلاء الذين ذبلت أيامهم في غرف المستشفيات، أو ماتت أحلامهم بين الجدران الأربعة، أو من يطرق أبواب الأرامل والأيتام، ويجبر بخواطر المنكسرين والمساكين، فهؤلاء عادةً لا توجه لهم حضور الموائد، ولا تُكتب أسماؤهم في بطاقات الدعوات، ولا تُرسل لهم تلك الرسائل المزخرفة عبر الواتساب، إنهم مساكين يعيشون على هامش الحياة خلف الستار بعيدين جداً من حياتنا المزدحمة بهوامش الحياة التي نجيدها ولا تنفعنا.
نمارس كل هذه الطقوس والمبالغات في التهاني والهدايا والزخارف والمناسبات والتصوير، ونتقن النفاق مع بعضنا البعض، بعلمنا وإرادتنا، مع أن الجميع يعرف تاريخ الآخر وحالته ووضعه وظروف معيشته، وفوق ذلك نجامل أكثر مما يجب، ونبالغ أكثر مما نحتمل، فحينما يتعلق الأمر بالبذل والعطاء والاهتمام تقلّ كل تلك الأعداد فجأة وتتقاعس وتتكاثر المشاغل والأعذار، فالمجتمع لا يقاس أيها السادة بعدد تلك المناسبات والموائد، بل يُفترض أن تكون بإنسانيته وعطائه واهتمامه وتعامله الراقي مع من حوله، فما يدريك قد يكون ما جرى على أخيك وابن عمك وجارك قد يجري عليك، فليس بينك وبين الله عهداً أن لا يجري عليك الكتاب.
بقلم: عائض الشعلاني.














