في وسط زحمة الخلافات ورغم الجلسات القضائية وتراكم الشكاوى وكثرة الاتهامات، مما يوحي بأن الحب والمودة قد تلاشت على صفيح ساخن من المشاكل، وأن ذلك البيت الذي جمعهما يوماً لم يعد صالحاً للسكن، بل أصبح حلبة مصارعة وساحة لتصفية الحسابات بينهما. ما لا يُقال هو ذلك الصمت الرهيب والمرعب الذي يتسلل بين الجدران، وذلك الفراغ الذي يخلّفه غياب الآخر بعد خروجه من ذلك المنزل أو افتراق الزوجين، ولو كان ذلك بسبب لحظة غضب، مما يكثر التساؤلات، ولو كان ذلك يتردد بصوت خافت، هل يمكن إعادة المياه إلى مجاريها؟ وهل يمكن لهذا الخلاف أن يجدد العلاقة مرة أخرى أم هذه بدايات الفراق الأبدي؟
بعد هذا الألم وبعد ما قيل وقال، وبعد أن انكسرت تلك الثقة وتعرض الحب والود والوئام إلى زلزال عنيف دمر تلك المسيرة على مدى سنوات، بل عقود، هل من السهل العودة بعد أن تغيرت الملامح وأُثقلت القلوب بتلك الاتهامات العاصفة، وبعد أن تصدعت جدران حياتهما؟ هل بعد تلك العاصفة الهوجاء، وبعد أن هدأ كل شيء، وشاهد الجميع تلك الآثار التي خلفتها تلك الرياح الشديدة والتي حطمت كل شيء، بعد هذا كله، هل تملكون تلك الشجاعة لتنظروا إلى ما آلت إليه تلك الأحداث ليقول أحدكم لنفسه: ربما ارتكبنا تلك الأخطاء، ولربما كنا شريكين فيها. هل هناك ما يستحق العودة ونسيان ما مضى لأجل حياتنا وبيتنا وأسرتنا وأطفالنا، لأجل ذاك الود والحب والسكينة وحياة أجمل؟ كم ثارت تلك البراكين التي حطمت كل شيء، ثم أشرقت شمس الحياة من جديد، وأصبحت الدنيا أفضل بكثير مما كانت عليه في الماضي. هل هناك فعلاً ما يستحق العودة من جديد؟
الطلاق قد يكون حلاً أحياناً، لكنه ليس حتمية وضرورة. لربما المحافظة على الكيان بأي ثمن أفضل من ذلك الفراق وما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية. لما لا نمنح أنفسنا وقتاً للتفكير في حل تلك المشاكل بهدوء، كإجازة لعدة أيام مثلاً، ليبتعد أحدهما عن الآخر وبدون تدخل أي أحد، ليتسنى لكما التفكير بعيداً عن الضغط الاجتماعي والأسري، ثم يتم اتخاذ تلك القرارات بكل هدوء. حتماً سيكون الاختيار لصالح ذلك البيت الذي يجمعكما سقفه ويحتضن لكما ذكرياته.
الزواج ليس مجرد حبر على ورق، وليس التزاماً اجتماعياً للآخرين، بل كيان وأسرة وأطفال وتفاصيل تتنفس بعمق حب وسعادة، ثم نظرة لمستقبل جميل. الحياة برمتها تحتاج إلى وعي وإدراك ومشاركة وتفاعل واندماج بين أفراد الأسرة، حيث لا يتألم فرد واحد بل يمرض الجميع. كل ذلك محاولة لإعادة المعنى الحقيقي للعلاقة الزوجية والأسرية، لا مجرد ترميم لها أو انتظار فرصة للانتقام.
عندما تأتي المصالحة الحقيقية، فلا بد من الاعتراف بتلك الأخطاء وذلك القصور المتعمد وغير المتعمد، مع فتح صفحة جديدة للعودة لتلك البدايات الجميلة. فنسيان ما حدث في الماضي وحده لا يكفي، بل لابد من التغيير الحقيقي من الداخل والتصميم والإصرار على أن تكونوا أفضل في كل شيء ورغبة صادقة في إعادة البناء لحياة سعيدة.
حين تأتي الإرادة القوية الصادقة من الطرفين، بالإمكان إعادة المياه إلى مجاريها رغم الألم وأبواب المحاكم والاتهامات العاصفة بين الطرفين. فمع الصدق تتغير حتى طريقة التفكير والنظرات والحديث مع بعضهما البعض، وبهذه الطريقة تُبنى الثقة من جديد، ولكنها تحتاج وقتًا أطول. فإن هذه الحياة الجديدة تشبه إلى حدٍ ما تلك الزلازل التي تدمر كل شيء ثم تبدأ الحياة تتموضع من جديد شيئًا فشيئًا لتكبر ببطء، ولكنها على أسس جديدة وقوية لتجنب تلك الأخطاء التي حتمًا تعلم منها الطرفان ليعيشا قصة عشق وحب واحترام واهتمام. فالحب بعد الألم يكون في بدايته باهتًا في أوله، صادقًا بعد ذلك مدى الحياة.
بقلم : عائض الشعلاني.














