في زاوية المنزل، جلس ذلك الأب كعادته هادئاً لا يطلب شيئاً من أحد. جسده موجود وهو غارق في بحر لجي تتلاطم به أمواجه وتتقاذفه هنا وهناك، ولا أحد يشعر به {ما أحد طق له خبر}. حضوره يتضاءل يوماً بعد يوم، بعد أن كان يصول ويجول، اتخذ له في البيت زاوية كأريكة قديمة اعتاد الجميع على رؤيتها ولم يعد ينتبه له أحد. منهكاً صامتاً منطوياً على نفسه، ولا أحد يهتم بحضوره أو يُسأل حتى عن غيابه. فهو لا يطلب أكثر من الاهتمام بوجوده والاشتياق له والسؤال عنه. يريد نظرة فيها امتنان، كلمة فيها حنان، ولو مجرد كلمة عابرة. حسوا بوجوده يا ناس، حرام عليكم. لو بس “كيف أصبحت، وكيف أمسيت”، لكن للأسف لا يسأل عن حاله أحد.
لربما يظنون أنه ما زال قوياً ومتماسكاً، ولكن هو من اختار لنفسه هذه الزاوية وتلك الحياة بطريقته. لماذا؟ لأنهم اعتادوا أن الآباء مكتفون دائماً، لا ينكسرون وليس لهم حاجة إلى العاطفة أو السؤال، وكأنهم يجهلون أو يتجاهلون أن الآباء كبقية البشر يعتريهم ما يعتري الآخرين إلى لفتة فيها امتنان، فيها لهفة وشوق. يحتاجون إلى السؤال عنهم، إلى الاهتمام بهم، إلى الحب، وإلى الإحساس بهم وبمشاعرهم رغم صمتهم، لأن الآباء هكذا لا يريدون أن تروا ضعفهم وحاجتهم. يبدون لكم أنهم متماسكون، لكن دواخلهم محطمة. كل ذلك رحمة بكم لتستمتعوا أنتم بحياتكم، فارحموهم من إهمالكم لهم.
الجفاف العاطفي والإهمال وعدم السؤال لا يأتي فجأة، بل يتسلل كما تتسلل أشعة الشمس عند شروقها، حتى يجف نهر العاطفة من قبل الأهل والأولاد، فتتآكل الروح قبل الجسد، ويغيب شغف الحياة من الداخل. كل ذلك بسبب غياب الكلمات المعبرة والجميلة: شكراً لك، اشتقنا لك، نحبك كثيراً، غيابك عنا مؤلم، وجودك معنا سعادة ورضى. اصنعوا أنتم له السعادة، عبر حفلة مصغرة فيها من الامتنان والشكر والعرفان لوجوده بينكم، وأن وجوده بينكم هو أكسير الحياة. أبداً لا يريد منكم هدية فاخرة أو احتفال يدعى له الناس، أبداً هو اليوم لا يريد سواكم أنتم فقط، وغيركم حضوره وغيابه متساويان.
في زمن السرعة والانشغالات بالحياة وملذاتها، لا يُلام الأب على كثرة صمته، وإن ندم على شيء، فلربما على ثمن ما دفعه في بدايات حياته من حبٍ كبير واهتمام عريض وطويل وصبر يشبه إلى حدٍ ما صبر أيوب. وكل ذلك ولم يلتفت إليه أحد، وقد يموت دون أن يُحتضن.
الأب أيها السادة، أيها الأبناء والبنات، أيتها الأم والزوجة العظيمة، ليس آلة من الحديد تكدّ طوال السنين حتى ينتهي عمرها الافتراضي ثم تُركن. هو روح تبحث عن الدفء في عيون أولاده، وفي حياة زوجته. فإن الأب بالصوت العالي يبحث عن كلمة تطمئنه أنه ما زال يُرى، ما زال يُحب. الكارثة أن نهايته هي التلاشي في قلب الحياة.
قد تصحوا العائلة ذات صباح على توقف قلبه، وعند البحث عن الأسباب يقول الطبيب: “جلطة مفاجئة”، ليعرف الجميع أن ذلك حصيلة سنوات من الجفاء وعدم المبالاة. مات من إحساس الوحدة رغم كثرة من حوله، وهذه من أقسى أنواع الوحدة وهو بين أهله وأولاده. {ولا عنك منشود}.
والعجيب عندما تبكيه العائلة، يتغنون بإنجازاته وصبره، وعن طيبته يتحدثون، ويكتبون عنه القصص والأشعار وينشرون كل ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ماذا لو عبروا عن تلك المشاعر وهو حي بين ظهرانيهم؟ لماذا دائماً نؤجل الحب والمشاعر الجياشة إلى ما بعد الموت؟ فهل ننتبه قبل أن يفوت الأوان؟
بقلم: عائض الشعلاني.














