/
/
مدينة الرماد.. حين يتحدث السراب

مدينة الرماد.. حين يتحدث السراب

Picture of بقلم ـ محمد سعد آل ماضي

بقلم ـ محمد سعد آل ماضي

في زاوية منسية من خارطة الخيال، تتوارى مدينة تُدعى “الرماد”، مدينة لا تعترف بها الجغرافيا، ولا تذكرها كتب التاريخ، لكنها تعيش بيننا؛ مدينة من ضباب، تشبه الحقيقة حين تلبس قناع الوهم، وتتنكر في هيئة الصوت العالي.
في “الرماد”، تتداخل الألوان حتى تفقد معناها، و يصير الأبيض رماديًا، والأسود رماديًا، و الصدق رماديًا كذلك. لا مكان للثوابت، فكل شيء يتبدّل كما تتقلب المواقف في مواسم المصلحة.
هناك، ينعقد ما يسمونه بـ“سوق القبائل”، سوق يُنصب على هامش المدينة، ترفرف فيه رايات تحمل أسماء مدن وقبائل وأماكن، لكنها لا تمثل أهلها بقدر ما تمثل لهجة الصراخ وعدد المتابعين. في ذلك السوق، كل من يقرع الطبل يصبح “إعلاميًا”، وكل من يرفع صوته يُنصّب “متحدثًا”، أما من آثر الحكمة والموضوعية، فيُقصى من المشهد ويُغلق دونه الباب.
وفي قلب المدينة، تنتشر طبقات من الرماد: رماد في المجالس، رماد في الألقاب، رماد في الكلمات. كلمات تلمع كالذهب لكنها تخلو من الجوهر . شعارات تُرفع ، وولاءات تُباع، وأسماء تُتاجر، والوطن في خلفية المشهد يُحاصر بالصمت والأسى.
غير بعيد، يعلو مبنى فخم كُتب عليه: “هيئة الضمير الإعلامي”. أصدر يومًا مرسومًا جاء فيه: “يُمنع استخدام أسماء المدن والقبائل في الحسابات والمنصات دون تصريح، حفاظًا على وحدة الوطن”. هبّ العقلاء بالتصفيق، وبارك المخلصون القرار. غير أن الريح كانت من نوع آخر؛ ريح “السراب”، حيث لا قرار يصمد، ولا نظام يُطبّق، فظلّ المرسوم معلقًا على الجدران، في حين واصلت الحسابات العشوائية بثّ فوضاها، كأن لا شيء حدث.

وفي طرف المدينة، كان رجل مسن يُدعى “العقل” يمرّ كل صباح أمام السوق، يحدّق في الطبول والرايات، يضع يده على قلبه ويقول: “أواه يا وطني، متى ندرك أن الإعلام ليس حلبة صراع، بل رسالة وعي؟ متى نفهم أن الوطن لا يُختصر في هاشتاق قبلي، بل في انتماء نقي رايته واحدة؟”

أما “الحقيقة”، وهي امرأة عجوز يسكنها الصمت، فلا تخرج كثيرًا. لكن حين تتكلم، يصمت الطبل، ويتوقف العرض، وتعود المدينة إلى رشدها، ولو مؤقتًا.

ومع كل غروب، يعلو التهليل في “الرماد”، وكأن أحدًا لا يسمع صوت الوطن يتمزق من الداخل. الوطن ينادي: “كفوا عن تغذية السراب.. لا تُبنَى اللحمة الوطنية على نيران الطبول، ولا تُدار هوية الدولة على منصات بلا هوية.”

ومن بين الأدخنة المتصاعدة، تطلّ الشلالية، تلك العِلّة المستترة خلف المجاملات، والمحمية بالولاءات الضيقة. تُقصي الكفاءات، وتُقدّم الولاء على العطاء، وتحصر الفرص في حدود “المجموعة”، لا الوطن. في “الرماد”، لا مكان لمستقل، ولا تقدير لصوت مختلف، فكل من لا ينتمي إلى الشلة يُقصى، ويُحجب، ويُنسى. وهكذا تتحول المدينة إلى كيان طارد لكل فكرة نقية، ولكل موهبة لا ترفع راية المجاملة.

اعلان

وهكذا، تظل بقايا الرماد عالقة في الأفق، تغلف المدينة بصدى الطبول، وتمنع عنها نسيم الحقيقة. حتى يأتي من يُطهر الساحة من ضجيج المزايدة، ويُعيد للراية معناها، وللإعلام رسالته، وللوطن سكينته.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى