ذكرنا ابن شرعان، رحمه الله، بالحب القديم الذي تملؤه الوفاء والمحبة الصادقة، ذلك الحب الحقيقي الذي لا يتكرر، ولا يحل محله حب جديد في الغالب. وما حصل مع ابن شرعان أنه عاش عمره أعزبًا، لأن قلبه ظل مملوكًا لشخص واحد، كما حصل مع كثير من العاشقين في التاريخ.
قد يحدث أن يُملك القلب لشخصٍ واحدٍ في هذه الدنيا، ومهما حاولت أن تملأه بغيره، فالنتيجة هي الخسارة. ابن شرعان لم يكن وحيدًا، بل كان معه شريك قلبه، يحمله أينما رحل وذهب، ويزيده ألمًا أنه بقي في منطقة قريبة من مسكن محبوبته حتى توفاه الله.
وهذا النوع من الحب ليس غريبًا في تراثنا العربي، فقد حفلت كتب التاريخ بأمثلة لعشاق لم تُكتب لهم النهايات السعيدة، لكنهم خُلدوا بصدق مشاعرهم ووفائهم
جميل بثينة: أحب بثينة حبًا طاهرًا، ولم يتزوج سواها، وظل يذكرها في شعره حتى وفاته، وقال في أحد أبياته:
“وإني لَأرضَى ما ترضاهُ بثينةُ… وإن سَخِطَتْ أرضَى لها بسخائها.
قيس بن الملوح (مجنون ليلى): قصة عشق خالدة، لم ينس ليلى رغم منعه عنها، فظل يهيم في الصحراء ينشد شعره باسمها، ومن أشهر قوله:
“أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا.
عنترة وعبلة: الفارس الشاعر الذي خلد حب عبلة في شعره، وقاتل من أجلها، لكنه لم ينلها، وبقي قلبه وفياً لها:
“ولقد ذكرتكِ والرماحُ نواهلٌ
مني، وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي.
ابن زيدون وولادة بنت المستكفي: حينما افترق الحبيبان، ظل ابن زيدون يرسل أشعاره لها، يعاتبها ويحن إليها، ومن أشهر ما قال:
“أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا.”
الظاهر بيبرس وزوجته زهرة: السلطان القوي الذي لم يستطع نسيان زوجته، فرفض الزواج بعدها، وكان يزور قبرها باكيًا، يذوب شوقًا وحسرة.
كل هذه القصص، وغيرها كثير، تشهد أن الحب الصادق لا يُقاس بنهايته، بل بصفائه وصدقه وبقائه في القلب مهما طال الزمان. فـ”ابن شرعان” لم يكن مجرد شخص، بل رمزًا من رموز الوفاء، عاش ومات وقلبه لا يعرف إلا حبًا واحدًا.
رحمه الله رحمةً واسعة














