الفطرة لا تتغيّر

Picture of بقلم : محمد بن سعد السبيعي

بقلم : محمد بن سعد السبيعي

يولد الإنسان على فطرةٍ نقيةٍ خالصة، لا تشوبها شائبة، ولا يعكّر صفوها ما لم تتدخل المؤثرات الخارجية التي تغيّر من صفاء هذه الفطرة. وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه.” وهذه الفطرة هي السجيّة الأصيلة التي أودعها الله في قلب الإنسان، تمثّل صفاء الروح، ونقاء الطبع، واستقامة العقل.

غير أن من الناس من يخلط بين “الفطرة” و”الفصاحة”، ظنًّا منه أن الإنسان لا يكون مقبولًا إلا إذا تحدّث بأسلوبٍ فصيحٍ مبالغٍ فيه، حتى وإن خرج عن طبيعته وصدق تعبيره. وهنا يكمن الخلل في الفهم؛ فالفصاحة لا تُعدّ بديلًا عن الفطرة، ولا ينبغي لها أن تحل محلّ العفوية والصدق، بل إن المبالغة في الفصاحة قد تؤدي إلى “التكلّف”، وهو أمرٌ منبوذٌ في أساليب التعبير العربي.

ونلاحظ اليوم بعض الأخطاء اللغوية في هذا السياق، منها استخدام عبارة: “يطالب أن يتحدث بالفصاحة”، والصواب: “يُطالَب بأن يتحدث بفصاحة”، إذ لا يجوز حذف حرف الجر “بأن” بعد الفعل “يُطالَب”، كما أن لفظة “الفصاحة” هنا جاءت معرفة بأل، بينما لم يسبقها ما يقتضي التعريف، وكان من الأجمل حذف “أل” لتتناسب مع السياق.

كما نسمع من يقول: “فيه فرق بين الفطرة والفصاحة”، وهذا التعبير دارج لكنه عامّي، والصواب: “ثمّة فرقٌ بين الفطرة والفصاحة”، أو “يوجد فرقٌ بيِّنٌ بين الفطرة والفصاحة”، مراعاةً لقواعد الفصحى وسلامة الأسلوب.

والفطرة، على حقيقتها، لا تعني الجهل ولا ضعف البيان، بل هي الانطلاق الطبيعي للنفس دون تكلّف، وهي التعبير الصادق الذي لا يشوبه تصنّع، بل يحمل في طيّاته سموًّا أخلاقيًا واتزانًا وجدانيًا. وهي أيضًا من أهم مظاهر التلقائية والقبول الاجتماعي، إذ يشعر المتلقّي بصدق المتحدّث، فيطمئن إليه ويأنس بكلامه.

عند بلوغ الإنسان سنّ الستين، يتجلّى هذا المعنى بأوضح صوره؛ إذ تزول أقنعة التكلّف، وتخبو نار التصنّع، فيعود الإنسان إلى صفائه الأول. فقد عركته الحياة، ومرّت به التجارب، وعلّمته الأيام أن أجمل ما في الإنسان هو صدقه وعفويّته. وهنا تظهر الفطرة في أسمى معانيها، ممتزجة بالحكمة، ومعزّزة بالتجربة، ومكلّلة بالوقار.

ومن الأخطاء اللغوية التي تقع في هذا السياق استخدام عبارة “وما فوق”، كما في قولهم: “منذ ولادته وحتى بلوغ الستين وما فوق”، وهي تركيب غير دقيق، والصواب: “وما بعدها” أو “ومن بعد الستين”، لأن “فوق” تُستخدم للمكان غالبًا، لا للزمان.

إن العودة إلى الفطرة لا تعني التراجع، بل هي التقدّم نحو الأصالة، والنضوج نحو جوهر الإنسان الحقيقي. وما أجمل أن يظل الإنسان على فطرته، متحدّثًا بصدق، متصرّفًا بعفوية، مؤمنًا بأن الفطرة لا تتغيّر، وإن تغيّر الزمان.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى