/
/
الذكاء الاصطناعي و الذكاء البشري !!

الذكاء الاصطناعي و الذكاء البشري !!

Picture of بقلم _ زيد بن محمد الرماني

بقلم _ زيد بن محمد الرماني

لقد بدأ البحث في مجال الذكاء الاصطناعي منذ فترةٍ طويلة، لكنَّ بدايته «الرسمية» تُؤرَّخ بعام ١٩٥٦ عندما أقنع جون ماكارثي ومارفن مينيسكي؛ وهما عالما رياضيَّاتٍ شابَّان، كُلًّا من كلود شانون الذي كان وقتها مشهورًا بصفته مخترع نظرية المعلومات، وناثانيل رتشيستر؛ مُصمِّم أول كمبيوتر يُباع في الأسواق من شركة آي بي إم، أن ينضمًا إليهما لتنظيم برنامج صيفي في جامعة دارتموث. وكان الهدف منه كما يلي:
يقوم البرنامج على افتراض أنَّ كل جوانب التَّعلُّم أو أي سمةٍ من سمات الذكاء يُمكن، نظريًّا، أن تُوصَّف توصيفًا دقيقًا بحيث يُمكن جعل الآلات قادرةً على محاكاتها. ستُجرى محاولة لاكتشاف كيفية جعل الآلات تتحدَّثُ اللغة؛ وتصُوغ الأفكار المُجرَّدة والمفاهيم؛ وتعمل على حلِّ ذاك الضَّرب من المشاكل المُستعصية والمقصُور البحث فيها على البشر؛ وتُطوِّر من نفسها. ويظُنَّ أنَّ تقدُّمًا ملحوظًا يُمكن أن يُحرز في واحدةٍ أو أكثر من هذه المسائل إذا ما اشتغل بها فريق من العلماء مُنتقّى بعنايةٍ خلال صيف واحد.
يقول ستيوارت رسل في كتابه ( ذكاء متوافق مع البشر ) : لا حاجة بنا للإشارة إلى أنَّ تلك التجربة قد استغرقت وقتًا أطول بكثيرٍ من فصل صيف واحد؛ فنحن ما نزال إلى الآن نعمل على حلولٍ لتلك المسائل.
وخلال العقد الأول أو نحو ذلك بعد برنامج دارتموث، ازدهر الذكاء الاصطناعي وشهد العديد من النَّجاحات الهامَّة؛ بما في ذلك خوارزمية آلان روبنسون للتفكير المنطقي العام وبرنامج لُعبة الدَّامة الذي صمَّمه آرثر صامويل، والذي طور من نفسه حتى تغلَّب على صانعه. أما أول فقاعةٍ للذكاء الاصطناعي، فقد انفجرت في أواخر السِّتينيَّات من القرن العشرين، عندما فشلت الجهود المُبكِّرة في مجالي تعلُّم الآلة والتَّرجمة الآلية في الارتقاء إلى مستوى التوقعات. وخلُص تقرير أعدَّته الحكومة البريطانية عام ١٩٧٣ إلى أنَّنا «لا نستطيع أن نُشير إلى أي فرعٍ من فروع هذا المجال ونقول إن الاكتشافات التي أحرزت فيه حتى الآن قد حقَّقت الأثر الهائل الذي كان متوقَّعًا منها». أو بعبارةٍ أخرى، لم تكن الآلات ذكيةً بما يكفي.
وهنا تعلَّم مجتمع الذكاء الاصطناعي الدَّرس، وفطن إلى أنَّ الآلات يجب أن تكون أذكى، ولكن كان علينا أن نجتهد ونكدَّ في الدِّراسة لنجعل هذا الأمر مُمكنًا.

وبداية من عام ٢٠١١ تقريبًا، بدأت تقنيات التَّعلُّم المُتعمِّق في إحراز نجاحاتٍ هائلةٍ في ثلاثٍ من أهمِّ المسائل غير المحسُومة في المجال؛ تمييز الكلام، وتمييز العناصر المرئية، والتَّرجمة الآلية. وإلى حدٍّ ما، الآلات في يومنا هذا تُضاهي القدرات البشرية في تلك الأمور، بل وتتفوَّق عليها أحيانًا.
وها نحن الآن نشهد الذكاء الاصطناعي وهو يظهر في أخبار الصَّفحات الأولى من التَّغطيات الإعلامية كل يومٍ تقريبًا. فقد أُسِّست الآلاف من الشركات النَّاشئة التي يدعمها سيل عارم من التمويلات الاستثمارية. ودرس الملايين من الطلاب دوراتٍ في الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة عبر الإنترنت، وصار الخبراء في المجال يتقاضون رواتب بملايين الدولارات.
ويذكُر هنا أنَّ الاستثمارات التي تضُخُّها الصَّناديق الاستثمارية والحكومات الوطنية والشركات الكبرى تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا؛ أي إن الأموال التي استُثْمرت في السنوات الخمس الماضية هي أكثر مما أُنفق على المجال منذ أن بدأ. ومن المتوقّع أن تترك التقنيات التي ما تزال في حيِّز التطوير؛ كالسَّيارة الذاتية القيادة والمساعد الشَّخصي الذكي، أثرًا جوهريًّا في عالمنا خلال العقد القادم. أما المنافع الاقتصادية والاجتماعية المحتملة التي قد نجنيها من وراء الذكاء الاصطناعي فهي كثيرة ومُتعدِّدة، مما يُعطي زخمًا عظيمًا لمؤسَّسات أبحاث الذكاء الاصطناعي.
يقول رسل : كان الشعار المُحفِّز لأرباب الذكاء الاصطناعي على مرِّ تاريخه هو «كلَّما كانت الآلات أذكى، كان ذلك أفضل». وفي الحقيقة أنا على قناعةٍ أنَّ هذا القول قول خاطئ؛ لا لأنِّي أشعر بخوفٍ مُبهم من أن الآلات ستحلُّ محلَّنا، بل أراه قولًا خاطئًا بسبب طريقة فهْمنا لماهية الذكاء.
ثم يؤكد رسل : يُعتبر الذَّكاء سببًا رئيسيًّا لما نحن عليه كبشر، ولهذا نُسمِّي أنفسنا «هومو سايبينز»؛ أو «الإنسان العاقل». وبعد ما يزيد عن ألفي عامٍ من التَّفكُر والتأمُّل في طبيعتنا البشرية، توصَّلنا إلى توصيفٍ للذكاء يُمكن أن يُلخَّص في السَّطر التالي:
نحن البشر أذكياء ما دامت فعالنا يُتوقَّع منها أن تُحقّق غاياتنا.
أما بقيَّة خصائص الذكاء، كالإدراك والتَّفكير والتَّعلُّم والابتكار وغيرها، فيُمكن فهمُها في ضوء مُساهماتها في قُدرتنا على التَّصرف بنجاح. ومنذ بدايات مجال الذكاء الاصطناعي، عُرِّف مفهوم الذكاء في الآلات على نفس النَّحو:
الآلات ذكية ما دامت فعالها يُتوقَّع منها أن تُحقِّق غاياتها.
ولأن الآلات، على عكس البشر، ليست لها غاياتها الخاصة، فنحن من نُودعها الغايات لتُحقَّقها. بمعنّى آخر؛ نحن نبني آلاتِ تتوخَّى أمثل الحلول، فنُودع فيها ما نريدها أن تُحقِّقه من أهدافٍ، ثم نُطلقُها.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى