/
/
يمكننا فهم الاقتصاديين العظماء إلا إذا!!

يمكننا فهم الاقتصاديين العظماء إلا إذا!!

Picture of بقلم _ زيد بن محمد الرماني

بقلم _ زيد بن محمد الرماني

إن كتاب إي كانتربري ليس مجرد سجل ذي حواش وتعليقات عن جماعة من الاقتصاديين الموتى؛ إذ إنه حينما يمسك الاقتصاديون الأحياء بأطراف المشاكل الاقتصادية الحديثة، ويبدؤون في تغيير آرائهم، تزداد مرات ومرات أعداد القراء الذين يكتشفون الحاجة إلى كتب انتقالية، تهيئ لهم جسر الهوّة بين الوضع الذي كان عليه الاقتصاد، والوضع الذي أصبح عليه، وهذا الكتاب “موجز تاريخ الاقتصاد: مقاربات جمالية لدراسة العلم الكتيب” لمؤلفه إي كانتربري، إنما يعكس هذه الرغبة في وجود جسر فوق المياه المضطربة.
يقول المؤلف : ونظرًا لأن أساتذة علم الاقتصاد القدامى كانوا يستخدمون في تخيلاتهم فرشاة اجتماعية عريضة، مع استعمال أمثلة حية من العالم الواقعي، فقد كان الفهم أكثر سهولة بالنسبة لهم عما هو عليه بالنسبة لكثير من الكتاب المحدثين، وهو ما جعلني أعتقد أن هذا الكتاب سيكون مناسبًا تمامًا للقراء المبتدئين في علم الاقتصاد، وعلى الطرف الآخر، فإن أولئك القراء الذين سيقرؤون هذا الكتاب، ولديهم فهم عميق للنظرية الاقتصادية، مع قليل – إن وجد – من المعرفة بتاريخ الفكر يمكنهم لآن أن يتعرفوا على بعض أكثر الشخصيات الخلابة عبر العصور، وكل ما يتطلبه الأمر هو العقل المحب للبحث والتحقيق.
ويؤكد المؤلف : لقد حكمت عدة أمور قرار إصدار موجز لتاريخ الاقتصاد: أولاً: إنني كنت ما أزال أرى الحاجة إلى مقدمة قصيرة عن علم الاقتصاد، سهلة الفهم تمامًا بالنسبة للمبتدئين، وممتعة – في نفس الوقت – لعموم القراء، وبالنسبة للأولين، فإن ما قد يناسب الطلبة ربَّما يمكن بصعوبة أن يساير امتلاء المساحة في الكتب الدراسية المعتادة لفصول المبتدئين.
ثانيًا: يلاحظ أن اهتمام المبتدئ بالاقتصاد أصبح يتضاءل شيئًا ما بالنسبة إلى نمو أعداد وأحجام المشاكل الاقتصادية للمجتمع، وقد وجدت أن المبتدئين يمكن إغراؤهم بالمادة إذا ما جرى تغليفها – أو بعبارة أخرى إخفاؤها – في ثنايا عباءة ناعمة من سيرة الشخصيات البارزة (آدم سميث، دافيد ريكاردو، توماس مالثس، جيريمي بنتهام، كارل ماركس، الفريد مارشال، جون مايناردكينز، جوزيف شومبيتر، ثورستاين ڤيبلين، ميلتون فريدمان، جون كينيت جالبريث، وروبرت هيلبرونر) .

ثالثًا: فإنني أود أن أوصل حسن حظ الأجيال الماضية إلى الأجيال الحالية، إن الاقتصاديين العظام – في الماضي والحاضر – لا يقومون فقط بالتعبير الواضح عن أفكارهم، بل إنهم يفعلون ذلك بقدر عظيم من القوة والحماسة، وفي كثير من الأحيان أيضًا مع مرح رائع، وينبغي ألا يفوت الجيل الحالي الاطلاع على تراث هؤلاء الأساتذة.
وعلى غرار ما يقوم به قادة الطائرات قام الاقتصاديون باتباع مقاربات متعددة ومختلفة؛ لذا فليس من المستغرب أن تكون بعض المقاربات إلى تاريخ تخصصهم أقل نجاحًا من بعضها الآخر، وسواء أكان الأمر يتعلق بعلم الملاحة الجوية أم بعلم الاقتصاد، فإننا نواجه حدودًا أو قيودًا، ومن ثم فإن عدم معرفتنا بحدود علم الاقتصاد يماثل تمامًا عدم معرفة الطيار بحدود أو قيود الجاذبية.
إننا نرغب دائمًا في أن نعرف أكثر من مجرد كيف أن آدم سميث غفل عن بعض الممرات السماوية، وعلى الرغم من كل شيء، كانت لأفكار عظماء الاقتصاديين تأثيرات هائلة على المجتمعات، كما أنها في نفس الوقت قد تشكلت وفقًا للوسط الثقافي الذي نشأت وترعرعت به، وهذه هي الطبيعة الصادقة للمعرفة الاقتصادية التي يجب أن يتطلع إليها جميع المواطنين، وإذا ما كان لنا أن نضع آدم سميث أو جون ماينارد كينز في إطاره التاريخي أو الثقافي، فإننا نحتاج إلى معرفة الأسئلة المهمة التي كانت تدور في خلد كل منهما.
يقول المؤلف : إننا نريد الانطلاق خارج الوادي الضيق، وادي إعادة البناء العقلاني، كي نحلق عبر المجالات المجاورة، إلى التاريخ والفلسفة والرياضيات والسياسة والعلوم الطبيعية والأدب، فهذا هو ما يسمح لنا بوضع الاقتصاديين العظماء في المكان الصحيح الذي نريده لهم في أزمانهم.
إن التاريخ أمر أساسي لدراسة الأفكار، ولا يمكننا التعرف بصدق على أفكار جديدة، إلا إذا أصبحنا نألف الأفكار التي اكتشفها وسبر غورها الاقتصاديون، كما لا يمكننا فهم الاقتصاديين العظماء إلا إذا فهمنا الأزمنة التي عاصروها في حياتهم، إن الزمن يتغير، وكذلك النظم الاقتصادية؛ ولذا فإننا نريد أن نقدّم وصف لتطور النظم الاقتصادية من الإقطاع إلى اقتصاد السوق، ثم إلى الاقتصاد المختلط المعقد، ثم إلى الاقتصاد العالمي الحالي.
وفضلاً عن هذا، فإن الأفكار الاقتصادية عندما يجري نسجها من خيوط التاريخ الاقتصادي، فإن أي موضوع، حتى لو كانت رياضيات العلوم الطبيعية – لا يمكن أن يتجنب الإنسانية، ومن ثم يصبح إنسانيًّا، إن الرياضيات تعمل على إدخال الدقة المتناهية الرائعة إلى الاقتصاد، إلا أن التاريخ يمنع وقوعها في وهدة التخشب.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى