قد تكون دراسة الاقتصاد – لا سيما في الجامعة – مسعى عقيمًا أو خاليًا من الحياة. ستجد في كل أربع مواد من أصل خمسة، أنك لا تذهب إلا من نموذج رياضي يحاول تمثيل جانب من الحياة الاقتصادية، إلى نموذج رياضي آخر يحاول تمثيل جانب آخر من الحياة الاقتصادية. هذا المنهج الرياضي القائم على النماذج ليس خاليًا من القيمة. المشكلة هي أن له تكاليف فرصة عالية: أي أنه يُقصي بحضوره المقاربات الأخرى.
من آثار هذه الطريقة أن الاقتصاد من حيث هو مجال علمي، قد نسي تاريخه. درسنا الاقتصاد أعوام عدة ولكننا لم نتعلم شيئًا عن السبب الذي يجعلنا نفعل الأشياء كما نفعلها. من أين أتت هذه المقاربة؟ هل كان الاقتصاد دائمًا هكذا؟ هل هناك مقاربات أخرى للاقتصاد في الحاضر أو الماضي؟ كانت تمر أسماء بعض المفكرين الاقتصاديين مرور الكرام، عندما تُسمّى معادلةٌ أو منحنى بياني بها.
لذلك كان كتاب مارك سكوسن صناعة علم الاقتصاد الحديث، الذي دار على حيوات وإسهامات الاقتصاديين الكبار من آدم سميث إلى ميلتون فريدمان، كشفًا كبيرًا حيث استطاع هذا الكتاب أن يعيد النبض إلى علم الاقتصاد، وقدمه على أنه معركة بين الأفكار لا على أنه سرد للمعادلات.
يستطيع كتاب إيمون باتلر مقدمة إلى مدارس الفكر الاقتصادي أن يلعب دورًا مشابهًا اليوم. إذ تختلف طريقة باتلر شيئًا ما عن طريقة سكوسن؛ إذ يجمع الاقتصاديين الأفراد في مدارس كبرى للفكر الاقتصادي، بدلاً من أن يركز عليهم بصفتهم الفردية.
إن المدرسة الفكرية في هذا السياق ليس مجرد مجموعة من الناس الذين يتشاركون اهتمامات بحثية معينة، ولا الذين يفضلون سياسات اقتصادية متشابهة (وإن كانت هذه الأشياء قد تجمعهم). حيث تختلف المدارس الفكرية الاقتصادية على مستوى أعمق من ذلك. تختلف في أسئلة كالتالية:
• ما الاقتصاد؟
• هل الاقتصاد أقرب إلى العلم الطبيعي كالفيزياء والكيمياء؟ أم هو أقرب إلى العلم الاجتماعي، كعلوم السياسة والاقتصاد؟
• هل ينبغي أن يسعى الاقتصاد إلى الحياد القيمي؟ أم ينبغي أن يهتم الاقتصاديون بأسئلة الأخلاق؟
• ما هي الوحدة الصحيحة للتحليل الاقتصادي؟ هل هي الفرد، على افتراض أنه فاعل مستقل؟ أم هي المجموعة؟
• إلى أي درجة يجب أن يكون علم الاقتصاد علمًا مغلقًا، وإلى أي درجة يجب أن يستفيد من غيره، كعلم النفس؟ هل يجب أن يركز الاقتصاديون على نحو ضيق بمواضيعهم الأساسية، مثل نمو الناتج الإجمالي المحلي والعمالة والتضخم والإنتاجية؟ أم يمكن للمنطق الاقتصادي أن يطبَّق وينفع في دراسة الظواهر الاجتماعية كالجريمة وبنية الأسرة، التي كثيرًا ما لا تخطر في البال عند الحديث عن «الاقتصاد».
إيمون باتلر ليس مراقبًا منفصلًا أو حياديًّا في هذا المشهد. لكن القارئ وإن استطاع أن يخمّن مواضع تعاطُف باتلر، فإنه قد مثِّل كل مدرسة بدقّة وإنصاف. كان هدفه تقديم صورة عامة شاملة لهذه المدارس، وليس تجنيد القارئ لصالح أي منها.
لذا, يشرح كتاب باتلر ( مدارس الفكر الاقتصادي) بعض أهم المقاربات لمشكلات الاقتصاد، من التاريخ المبكر إلى يومنا الحاضر. يبيّن الكتاب كيفية وأسباب إنتاج المفكرين المختلفين لتفسيرات مختلفة لطريقة عمل الحياة الاقتصادية، وكيفية تحسين هذه الحياة لتعزيز الازدهار والرفاه.
لقد كُتب الكتاب بلغة سهلة متاحة، وهو موجَّه إلى غير المختصين من القرّاء، الذين يريدون أن يفهموا كيف تطور الاقتصاد، وأهم الجدالات التي لم تزل قائمة بين الاقتصاديين المختلفين.
لذا, ينفع هذا الكتاب أيضًا طلاب المدارس والجامعات الذين يريدون استطلاع أفكار مختلفة والحصول على نظرة أوسع لعلم الاقتصاد مما تقدمه مقرّراتهم الدراسية، التي كثيرًا ما لا تُطيل الحديث عن المقاربات الأخرى للاقتصاد أو كيفية نشوئها والتخلي عنها. لكنّ في كل مقاربة للفكر الاقتصادي شيئًا تعلمنا إياه بشأن كيفية اتخاذ الناس للقرارات والخيارات، وهو جوهر علم الاقتصاد، أو هكذا ينبغي أن يكون.
وبالتركيز على مدارس الفكر، نستطيع أن نفهم التيارات الفكرية الواسعة في الاقتصاد، والجدالات التي تنشأ عنها، وآثار كل ذلك على الواقع. يقدم هذا الفهم سياقًا نافعًا نستطيع بحسبه تقييم وانتقاد النظريات الاقتصادية الحاضرة ومقترحات السياسات. يساعدنا هذا أيضًا على فهم الماضي في علم الاقتصاد، بنزعاته وبُناه ومشكلاته، وفهم سبب إخفاق كثير من التفسيرات القديمة فيه. تساعدنا هذه الدراسة أيضًا في تعلم دروس نافعة بشأن طبيعة الأحداث الاقتصادية كالكساد والازدهار والفقاعات، وهو ما يلقي أضواءً على السياسات التي تستطيع إنشاء الاستقرار والنمو – لتجنب الأخطاء المستقبلية.
لذا, يستمر هذا الكتاب بمراجعة تطور حديث، هو الاقتصاد السلوكي، الذي يجلب علم النفس إلى الخيارات الاقتصادية والاتجاه المستقبلي للاقتصاد ومدارس الفكر الجديدة التي قد تنشأ.














