/
/
حين ذهب العافي إلى أمّ القاتل… الشيخ يحيى البشري يكتب أبلغ دروس المروءة

حين ذهب العافي إلى أمّ القاتل… الشيخ يحيى البشري يكتب أبلغ دروس المروءة

Picture of بقلم : عزيز معزي بن عدلة

بقلم : عزيز معزي بن عدلة

 

هناك مواقف تمرّ في حياة الناس كأنها خبرٌ عابر، وهناك مواقف تقف لها القلوب إجلالًا، وتخلع لها الكلمات عمامتها، وتستحي البلاغة أن تزاحم أصحابها،لأنها تدرك أن الفعل أبلغ من البيان، وأن بعض الرجال لا تكتبهم الأقلام، بل تكتبهم المواقف في ذاكرة الزمن.

ومن أولئك الرجال الذين لا يمرّ ذكرهم إلا مقرونًا بالهيبة والإكبار: الشيخ يحيى بن قانص البشري، ذلك الرجل الذي لم يكن عفوه موقفًا مألوفًا، ولا تنازلًا عابرًا، بل كان مشهدًا من مشاهد السمو الإنساني، ودرسًا عاليًا في الحلم، وصفحةً بيضاء في سجل المروءة.

لقد فُجع الشيخ يحيى في أعز ما يملك الإنسان، فُجع في فلذة كبدٍ لا يعوّضها شيء، وفي ابنٍ كان للقلب بعض قلبه، وللعين بعض نورها. ومثل هذا المصاب لو وقع على الجبال لهدّها، ولو نزل على الصدور لأشعل فيها نارًا لا تنطفئ. غير أن الرجال الكبار لا تكشفهم لحظات الرخاء، وإنما تكشفهم ساعة الوجع، حين تضيق الأرض بما رحبت، وتختبر النفوس في أعمق مواضعها.

وكان بوسعه أن ينتظر أن تأتيه أم القاتل منكسرةً، وأن تقف بين يديه مثقلةً بالخوف والرجاء، وأن يسمع منها توسلات الأم التي تخشى على ابنها المصير. لكنه لم يفعل. لم ينتظر أن تأتيه، بل ذهب هو إليها.

اعلان

وهنا عظمة المشهد.

ذهب الشيخ يحيى بن قانص البشري إلى منزل أم ياسر، لا ليزيد جرحها جرحًا، ولا ليذكّرها بما تعرفه من فاجعة، ولا ليضعها تحت ثقل المهانة والانكسار، بل ذهب إليها حاملًا بشرى لا يحملها إلا الكرام. طرق بابها وفي صدره وجع الأب، وفي قلبه إيمان الرجل، وعلى لسانه كلمة لا تخرج إلا من نفسٍ سمت على ألمها:
لقد عفوت عن ابنك ياسر لوجه الله.
أي مقام هذا؟
وأي قلب هذا؟
وأي رجل يستطيع أن يحمل مصيبته بيد، ويحمل الرحمة باليد الأخرى، ثم يمشي إلى أم قاتل ابنه ليواسيها قبل أن يواسي نفسه؟

إنه لم يعفُ فقط، بل أكرم في عفوه. لم يصفح فقط، بل اختار للصفح أجمل أبوابه. لم ينتصر على خصومة، بل انتصر على ألمٍ لو دخل قلب غيره لأغلقه على الدنيا كلها. لقد رأى في تلك الأم أمًّا مكلومة، لا خصمًا مهزومًا؛ ورأى في ضعفها موضع رحمة، لا موضع شماتة؛ ورأى أن العفو حين يكون لوجه الله لا يحتاج إلى منبر، بل يكفيه قلبٌ نقيّ وموقفٌ عظيم.
وفي مثل هذا المعنى يصدق قول القائل:
لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُّتَبُ
ولا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
فالشيخ يحيى بن قانص البشري لم يكن أسير غضبه، ولم يدع الحزن يقوده إلى ما يندم عليه، بل قاد حزنه إلى مقامٍ أعلى. وكأن الحادثة كلها أرادت أن تقول للناس: ليست الشجاعة أن تملك القدرة على العقاب، ولكن الشجاعة أن تملك القدرة على العفو وأنت قادر.
إن كثيرًا من الناس يستطيعون أن يتكلموا عن التسامح، وأن يمدحوا العفو في المجالس، وأن يزينوا أحاديثهم بفضائل الصفح، لكن قليلًا منهم إذا مسّتهم النار ثبتوا. وقليلًا منهم إذا كان الجرح في بيوتهم قالوا ما كانوا يقولونه في بيوت الآخرين. أما الشيخ يحيى البشري فقد جعل قوله وفعله سواء، وأثبت أن المروءة ليست قصيدة تلقى، ولا شعارًا يرفع، بل قرارٌ صعبٌ يؤخذ عند اشتداد الوجع.
لقد ذهب إلى أم ياسر وفي خطاه معنى أكبر من الخطى. كان يمشي لا برجليه وحدهما، بل بوفاء المؤمن، ونبل العربي، وحكمة الشيخ، ورحمة الأب. ولعل تلك الأم حين سمعت منه البشرى لم تسمع مجرد خبر عفو، بل سمعت صوت الحياة يعود إلى بيتٍ كان يترقب الفقد، وسمعت معنى الرحمة ينزل على قلبٍ كاد ينفطر.

أيها الشيخ ، لقد رفعت بالعفو قدرك، ورفعت به قدر قومك، ورفعت به معنى الإنسان حين يقترب من مقام الإحسان. لم تكن تلك اللحظة لك وحدك، بل كانت درسًا للآباء، وللأبناء، وللخصوم، وللمجتمع كله؛ أن الدم لا يطفئه الدم دائمًا، وأن بعض الجراح لا يداويها إلا عفوٌ كبير يخرج من قلبٍ أكبر.
وأنت لم تحتج إلى شهادة مادح، ولا إلى قصيدة شاعر، ولا إلى خطبة خطيب؛ لأن موقفك سبق الكلام، وفعلك غلب البيان. إن من يرى رجلاً يترك باب الانتقام ويمضي إلى باب أم القاتل مبشرًا، يعلم أن الدنيا ما زالت بخير، وأن في الناس بقية من رجال إذا حضروا رفعوا سقف المعنى، وإذا عفوا علّموا الناس كيف يكون العفو سيد المواقف.
وليس العفو هنا نسيانًا للابن، فالأب لا ينسى ابنه، ولا تمحو الأيام صورة من سكن القلب. لكنه عفو المؤمن الذي يحتسب، وعفو الكريم الذي يترفع، وعفو الكبير الذي يدرك أن الرحمة لا تنقص من قدر الرجال، بل تزيدهم رفعةً وبهاءً.

لقد جسّد الشيخ يحيى البشري معنى قوله تعالى:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين.
وجسّد معنى الحديث الشريف:
ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.

فالشدة ليست في البطش وحده، ولا في القدرة على الغلبة، وإنما في أن يقف الإنسان أمام نار قلبه فيطفئها بالإيمان، وأمام وجعه فيغلبه بالاحتساب، وأمام حقه فيتنازل عنه ابتغاء وجه الله.

سلامٌ على الشيخ البشري يوم عفا.
وسلامٌ عليه يوم ذهب إلى أم ياسر يحمل إليها البشرى بدل أن ينتظر منها الرجاء.
وسلامٌ على قلبٍ اتسع للحزن والرحمة معًا.
وسلامٌ على رجلٍ علّم الناس أن العفو حين يصدر من الكبار لا يكون ضعفًا، بل يكون قمة القوة، وذروة المروءة، وتاج الرجولة.

لقد عفا الشيخ يحيى البشري، فصار عفوه حكاية.
وذهب إلى أم القاتل، فصار ذهابه مكرمة.
وقالها لوجه الله، فكتب الله له بها من المحبة في قلوب الناس ما لا تكتبه الدواوين ولا تصنعه الألقاب.
هكذا يكون الكبار:
إذا أوجعتهم الدنيا لم يوجعوا الناس.
وإذا كسرتهم المصائب لم يكسروا القلوب.
وإذا ملكوا حق العقوبة اختاروا أن يفتحوا للرحمة بابًا لا يفتحه إلا النبلاء.
لله درك يا أبا بندر .

شاركها

تعليق واحد

  1. هذمن لافعال التى يظرب بها لامثال في الصفح والتسامح

    ان العفو عندالمقدره من صفات الكرام

    اسئل الله ان بجعلها بميزان حسناته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى