تزخر الذاكرة الوطنية السعودية بسير قامات استثنائية نقشت أسماءها بمداد من نور في سجلات المجد والريادة، ومن بين هذه الرموز المضيئة يتجلى اسم الأديب والشاعر والإعلامي المخضرم مهدي بن عبار المقرن المعنى العنزي، الذي يمثل ظاهرة ثقافية وعسكرية وإعلامية فريدة، امتد عطاؤها لأكثر من اثنين وسبعين عاما، منها ستة عقود كاملة قضاها في الخدمة الفخرية المتواصلة للوطن وولاة أمره. ولد ابن عبار في عرين العاصمة الرياض عام 1953 ميلاديا (الموافق لعام 1372 هجريا)، لينطلق منها في رحلة علمية و عملية بدأت بتنقله مع والده إلى مدينة جدة، حيث نهل من معاهدها التعليمية العريقة كالمعهد الوطني، ومعهد التيسير، ومعهد الصحافة بجدة، مستقرا هناك حتى نهاية السبعينيات الميلادية ليصقل موهبته الأدبية والصحفية مبكرا ويشرف على ملحق الشعر والتراث في صحيفة عكاظ لستة عشر عاما متتالية، ممثلا لها كصحفي بارز ومذيع ميداني لتغطية مناسك الحج والأحداث الوطنية الكبرى.
لم تكن مسيرة ابن عبار مجرد عبور عابر، بل كانت ملحمة من العطاء والإنجاز؛ إذ صدر له العديد من المؤلفات التي و ثقت شغفه المبكر بالتأليف، فقدم للمكتبة العربية كتبا نوعية حظيت باهتمام نقدي بالغ، منها: ذكريات جميلة، و علوم النشاما، وقصائد ومناسبات، ودمعة على كف سلطان، والوطن، وقصائد محرمة، وهي النتاجات التي جعلت المؤرخ والعلّامة الكبير عبد الله بن خميس يشيد بها قائلا: “إن قصائده يجب أن تدرس في الجامعات ويعمل عليها بحوث مما تحمله من رسائل للأمة العربية والإسلامية في شتى قضاياها”. هذا النبوغ قاده للتشرف بإلقاء القصائد الرسمية أمام ملوك المملكة؛ بدءا من احتفال الحرس الوطني برعاية الملك فيصل عام 1392 هجرية بجدة، ثم في حوليات الحج الكبرى أمام جلالة الملك خالد وجلالة الملك فهد منذ عام 1397 هجرية، حتى نال اللقب الغالي والرفيع من الملك عبد الله بن عبد العزيز (يرحمه الله) الذي لقبه بـ “شاعر الحرس الوطني”.
تتقاطع في سيرة الضيف أبعاد الإدارة والتطوير الثقافي بشكل مذهل؛ فعند عودته للرياض تم تعيينه رئيسا لوحدة القلم بأمر ملكي من الملك عبد الله بن عبد العزيز، وعمل تحت إدارة قامات إدارية تاريخية كالشيخ عبد العزيز التويجري والأمير بدر بن عبد العزيز (رحمهم الله). والتحق بمعهد الإدارة العامة بالرياض مبتعثا من الحرس الوطني ليدرس علوم المكتبات محققا المركز الأول، ليتولى بعدها إدارة مكتبة الفرقة 21 بجدة، ثم مديرا عاما لمكتبة المدارس العسكرية بالرياض. وإلى جانب تفوقه الإداري، انخرط الضيف في السلك العسكري بالحرس الوطني وشارك في مهام وملاحم وطنية مصيرية، على رأسها المشاركة في تطهير الحرم المكي الشريف في بداية التسعينيات الهجرية، والمشاركة الباسلة في حرب تحرير الكويت ، حائزا على العديد من الأوسمة و الأنواط العسكرية الرفيعة و الدورات المتخصصة.
وفي الميدان الثقافي والإعلامي، يعتبر مهدي بن عبار من الرعيل الأول و مؤسسي إذاعة جدة عام 1398 هجرية كمذيع و معد ومقدم برامج على الهواء، مساهما في تطوير وحفظ الموروث الشعبي و تأسيس أركانه الفنية. و مع انطلاقة المهرجان الوطني للتراث و الثقافة (الجنادرية) عام 1405 هجرية، تولى رئاسة الفنون الشعبية و شعر النظم و المحاورة, ورئاسة لجنة الشعر الشعبي والصالة الملكية، فضلا عن كونه المعلق الأول لسباقات الهجن الرسمية منذ عهد الملك فيصل حتى عهد الملك سلمان بن عبد العزيز. وفي التلفزيون السعودي، يُعد أول من قدم برنامجا شعبيا يهتم بالموروث وإبراز الألوان الفلكلورية لجميع مناطق المملكة من خلال برنامجه الشهير “لوحات شعبية”، الذي نال إثره لقب “ملك الشاشة” من محبيه. وبعد مسيرة حافلة وتقاعده من السلك العسكري، واصل عطاءه الفكري بكتابة المقالات السياسية والاجتماعية في صحيفة الجزيرة وغيرها.
وللغوص في أعماق هذه المسيرة الثرية، التقت “أضواء الوطن” بالرمز الإعلامي الكبير، وكان لنا معه هذا الحوار الموسع:
س/ عاصرتم الرعيل الأول ومراحل التأسيس لقطاعي الإذاعة والتلفزيون والعمل الثقافي في المملكة، كيف تصفون لنا ريادة تلك البدايات ومسيرتكم الإذاعية؟
ج/ كانت البدايات في عام 1398 هجرية تجسيدا لجهد حقيقي بذله الرعيل الأول، حيث تشرفت بأن أكون من مؤسسي إذاعة جدة كمذيع ومعد على الهواء للبرامج الوطنية والشعبية لحفظ الموروث الأصيل، وامتد هذا العطاء مع انطلاقة مهرجان الجنادرية عام 1405 هجرية رئيسا للجنة الشعر الشعبي والصالة الملكية؛ إذ نجحنا في فتح نوافذ إعلامية وثقافية نوعية أبرزت التنوع التراثي الثري لكافة مناطق المملكة ورسخت الهوية الوطنية في نفوس الأجيال الناشئة.
س/ جمعت حياتكم المهنية بين الانضباط العسكري في الحرس الوطني وبين الشغف الأدبي والشعري، كيف تلاقت هذه الثنائية في صياغة مسيرتكم الوطنية؟
ج/ العسكرية والشعر في وجداني يمثلان صورة واحدة للولاء والانتماء لهذا الوطن الشامخ وقيادته الرشيدة، فالانضباط العسكري صقل في داخلي قيم التضحية التي تجلت في ميادين الشرف مثل تطهير الحرم وحرب تحرير الكويت ونيل الأوسمة والأنواط، بينما كان الشعر واللقب الغالي “شاعر الحرس الوطني” الذي منحني إياه الملك عبد الله، يرحمه الله، الذراع الفكرية والوجدانية التي جسدت بطولات الوطن وأمجاده في الحوليات الملكية والمناسبات الرسمية الكبرى.
س/ حظي برنامجكم الشهير “لوحات شعبية” بمتابعة واسعة ولقبتم من خلاله بـ “ملك الشاشة”، ما الرسالة الفكرية التي حرصتم على تقديمها للمشاهد السعودي؟
ج/ هدفت عبر برنامج “لوحات شعبية” إلى تقديم وثيقة مرئية تجمع التنوع الثقافي والاجتماعي الثري لكل منطقة من مناطق المملكة عبر استعراض ألوان الفلكلور وشعر المحاورة والنظم بأسلوب رصين، واللقب الذي أطلقه الجمهور الكريم كان دافعا كبيرا لتقديم إعلام شعبي يحترم عقلية المتلقي ويربط الأجيال المعاصرة بجذورهم التاريخية، مؤكدا أن الموروث الأصيل هو ركيزة أساسية لتعزيز اللحمة الوطنية والتلاحم المجتمعي.
س/ تميزت نتاجاتكم الأدبية بإشادة نقدية رفيعة من المؤرخ عبد الله بن خميس الذي دعا لتوفيرها في الجامعات، كيف تنظرون إلى رسالة كتبكم ومؤلفاتكم؟
ج/ إن كلمات الأديب الكبير عبد الله بن خميس تعد وسام فخر وتتويج لرحلتي الفكرية، وقد حرصت في مؤلفاتي المتنوعة مثل علوم النشاما ودمعة على كف سلطان وقصائد محرمة على ألا تكون الكتابة مجرد ترف بل رسالة سامية تحمل هموم الأمة وقضاياها السياسية والاجتماعية، وإن الدعوة لتحويل هذه الأعمال إلى بحوث جامعية تضمن بقاء الفكر حيا وصيانة الذاكرة التاريخية للوطن لخدمة الباحثين في التعليم العالي.
س/ بعد رحلة ممتدة لستة عقود في خدمة القيادة والوطن وتجربتكم الطويلة في صحيفتي عكاظ والجزيرة، ما هي نظرتكم لواقع الصحافة والشعر الشعبي اليوم؟
ج/ الصحافة المعاصرة باتت تمتلك أدوات تقنية ورقمية متطورة للغاية تفوق ما كنا نمتلكه خلال ستة عشر عاما من العمل بملاحق التراث، ولكنها تحتاج دائما للتمسك بالعمق والمصداقية التي تميز بها جيل التأسيس، والشعر الشعبي يظل ديوان الوطن النابض بقيم الولاء، ونصيحتي الدائمة للجيل الجديد من الإعلاميين والشعراء هي الحفاظ على أصالة المفردة والابتعاد عن السطحية لأن الكلمة أمانة وطنية كبرى.
وفي ختام هذا الحوار الصحفي الممتع، لا يسع صحيفة أضواء الوطن الرقمية إلا أن تتقدم ببالغ الشكر والتقدير والامتنان لرمز من رموز الإعلام والأدب السعودي، الشاعر والكاتب المخضرم مهدي بن عبار العنزي، مثمنة مسيرته الحافلة بالبذل والإنجاز ومواقفه الوطنية المشرفة في خدمة ولاة الأمر والوطن، ومتمنية له وافر الصحة والعافية والتوفيق، ليظل دائما منبرا فكريا وإرثا ثقافيا تستضيء به الأجيال القادمة.














