لم يكن مصادفةً أن تستقبل بكين في أسبوع واحد زعيمَين من طرازين مختلفين وعالمين متناقضين. فالصين التي طالما آثرت الصمت الاستراتيجي على الجهر بالطموح، باتت اليوم تعلن بصورة غير مباشرة أنها ليست قوةً صاعدة تنتظر دورها، بل مركزَ ثقل يستدعي إليه من يشاء، ويُرتّب الملفات بالوتيرة التي يراها. ترمب أولاً، ثم بوتين، وبينهما شي جينبينغ جالساً في موقع من لا يحتاج إلى أن يُسافر لأن العالم يأتي إليه.
والمتأمل في هذا المشهد بعين التاريخ لا بعين الصحافة اليومية يدرك أن ما يجري ليس مجرد دبلوماسية موسمية، بل هو إرهاص بنظام دولي يتكون في المخاض، لم تتضح ملامحه بعد ولكنّ إشاراته باتت تملأ الأفق.
ثمة خطأ شائع يقع فيه كثيرون حين يتناولون ملف النفط في سياق العلاقات الدولية، وهو اختزاله في أرقام الإنتاج ومعادلات العرض والطلب، بمعزل عن السياق الحضاري والاستراتيجي الأشمل الذي تنتمي إليه. فالطاقة في جوهرها ليست سلعة فحسب، بل هي إحدى أدوات صياغة النفوذ وترتيب الأولويات في النظام الدولي.
منذ أن انكفأت روسيا نحو الشرق تحت وطأة العقوبات الغربية، وجد النفط الروسي طريقه إلى بكين ونيودلهي بأسعار أقل وبترتيبات تتجاوز منطق السوق إلى منطق التضامن بين المستهدَفين. وما يبحثه بوتين وشي في هذه القمة ليس عقوداً نفطية بالمعنى التجاري المجرد، بل هو رسم معمارية اقتصادية جديدة تجعل الطاقة الروسية والسوق الصينية كتلةً واحدة متماسكة، بعيدة عن الدولار وعن الإملاءات الغربية.
وهنا يبدأ الملف السعودي يكتسب أبعاداً أعمق مما تبدو عليه في القراءة الأولى. فالمملكة العربية السعودية التي قادت أوبك+ بحكمة لافتة، وأبت في أشد لحظات الضغط الغربي أن تجعل من نفطها أداةً في يد الآخرين، تجد نفسها أمام تعقيد من نوع مختلف: روسيا شريكتها داخل التحالف ذاته تُضخّ نفطها نحو السوق الصينية بأسعار منقوصة، وهو نفط يُنافس الخام السعودي في السوق الأكثر أهمية استراتيجياً لمستقبل المملكة.
بيد أن تاريخ المملكة يُعلّمنا أنها حين تواجه هذا النوع من التعقيدات، لا تُسارع إلى ردّ الفعل بل تُعيد ترتيب الأوراق بصبر من يعرف أن الوقت يعمل لصالح من يملك ما لا يملكه غيره.
إن المتابع للمسار الدبلوماسي السعودي في السنوات الأخيرة يلاحظ تحولاً نوعياً جوهرياً لا يمكن قراءته في ضوء السياسة الخارجية التقليدية وحدها. فالمملكة التي اعتادت تاريخياً أن تُدير علاقاتها الإقليمية في إطار المحور الغربي الأمريكي، باتت اليوم تنتهج مساراً أكثر استقلالية وأوسع أفقاً.
الاتفاق السعودي الإيراني الذي رعته بكين عام 2023 كان دلالته تتجاوز مضمونه المباشر. فقد أثبت أولاً أن الصين باتت قادرة وراغبة في أن تضطلع بدور الوسيط الفاعل في منطقة ظلّت تاريخياً حكراً على النفوذ الأمريكي. وأثبت ثانياً أن الرياض مستعدة للقبول بهذا الدور الصيني لأنها وجدت فيه مخرجاً أكثر توازناً مما تُقدّمه واشنطن المنشغلة بأولوياتها الداخلية المتشعّبة.
واليوم حين يتناول ترمب مع شي ملفات الشرق الأوسط، وحين يعقد شي مع بوتين مباحثاته حول مستقبل النظام الإقليمي، فإن المملكة العربية السعودية حاضرة في جوهر تلك النقاشات وإن لم تكن على الطاولة. إذ لا يمكن لأي تسوية في غزة أن تنضج دون رعاية سعودية. ولا يمكن لأي ترتيب يخصّ اليمن أن يصمد دون موافقة سعودية. ولا يمكن لأي هندسة أمنية إقليمية جديدة أن تُبنى وتظل الرياض خارج صلبها.
هذا ما يجعل الموقف السعودي في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة يفوق بأثره ما يُعلَن عنه، وما يجعل الحضور السعودي في الحسابات الدولية أعمق مما توحي به المظاهر.
لا يصحّ أن نقرأ الانفتاح السعودي على موسكو وبكين من خلال منظور الانقلاب على الشراكات التاريخية، كما يُروّج بعض المتسرعين في الحكم. فهذه القراءة تُخطئ في تشخيص الظاهرة لأنها تُقيسها بمعيار القطبية الثنائية التي انتهت، بدلاً من أن تقيسها بمعيار التعددية الاستراتيجية التي بدأت.
ما أرساه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بتأنٍّ غير مُفتعَل هو رؤية تقوم على أن المملكة دولة كبرى بمعيار دورها الحضاري وثقلها الاقتصادي، وأن الدول الكبرى لا تنتمي إلى محاور بل تُشكّل محاور. ومن هذا المنطق جاء الانضمام إلى بريكس عام 2024، لا تمرداً على الغرب، بل تأكيداً لحق المملكة في أن يكون لها كرسي في كل طاولة يُصنع عليها القرار.
وهكذا تقوم الاستراتيجية السعودية اليوم على ثلاثة محاور يُكمّل بعضها بعضاً: الشراكة الأمنية مع واشنطن التي هي ضرورة استراتيجية لا تخليّ عنها بأي حساب. والعلاقة التنموية الاستثمارية مع بكين التي تُمثّل شريان رؤية 2030 نحو التحول الاقتصادي الكبير. والتعامل البراغماتي مع موسكو في إطار أوبك+ والملفات التي تتقاطع فيها المصالح. ثلاثة محاور لا تتناقض بل تتكامل في يد من يُحسن الإمساك بها جميعاً دون أن تتناثر.
والتاريخ يُعلّمنا أن اللحظات الانتقالية الكبرى في النظام الدولي هي بالضبط تلك اللحظات التي تصنع فيها القوى المتوسطة البصيرة مكانتها التاريخية، بينما تنشغل القوى الكبرى بالتنافس فيما بينها. فبعد الحرب العالمية الثانية لم تكن ألمانيا القوة الأكثر تأثيراً في رسم النظام الأوروبي، بل كانت الدول الصغيرة التي نجحت في أن تجعل نفسها عنصراً لا غنى عنه في أي معادلة.
والرياض اليوم أمام فرصة تاريخية من هذا الطراز. وحين يتوقف المرء أمام المشهد بكامله — ترمب يزور بكين، وبوتين يُعقبه، وشي يجلس في المركز، والجميع بحاجة إلى من يُقنّن العلاقة مع الشرق الأوسط ويضمن استقراره — يجد أن الرياض هي الجهة الوحيدة التي تملك مفاتيح الحديث مع كل هؤلاء في وقت واحد، من موقع الندّية لا التبعية.
المملكة العربية السعودية لا تُراهن على انتصار واشنطن ولا على صعود بكين ولا على عودة موسكو. هي تُراهن على شيء أعمق من ذلك وأكثر ديمومة: أن يظل العالم بحاجة إليها بصرف النظر عمّن ينتصر فيه ومن يتراجع. وهذا في نهاية المطاف هو الرهان الأصعب والأجدر بالانتصار، لأنه لا يقوم على حسابات المعركة العابرة، بل على فهم حركة التاريخ ومنطق الحضارات.














