/
/
السعودية.. سجلٌ عربي ودولي مُشرف: قراءة في فلسفة الدولة والرسالة

السعودية.. سجلٌ عربي ودولي مُشرف: قراءة في فلسفة الدولة والرسالة

Picture of بقلم _ صلاح الطاهري

بقلم _ صلاح الطاهري

حين تقرأ تاريخ الدول، قد تجدُ في صفحاتها صعوداً اقتصادياً أو تمدداً عسكرياً، لكنك نادراً ما تعثر على كيانٍ سياسي استطاع أن يحول المبدأ الأخلاقي إلى سلوك سياسي مستدام كما فعلت الدولة السعودية منذ فجر تأسيسها؛ فهذا السجل الذي نصفه اليوم بالمُشرف، ليس وليد صدفةٍ سياسية أو طفرةٍ اقتصادية عابرة، بل هو شجرةٌ ضاربة الجذور في تربةٍ من القيم العربية والإسلامية الأصيلة التي جعلت من الرياض ثقلاً استراتيجياً لا يميل وقطباً للاتزان لا يحيد.

إن المتأمل في السجل السعودي منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- وصولاً إلى هذا العهد الزاخر، يدرك أننا أمام عقيدةٍ سياسية تؤمن بأن قوة الدولة لا تكتمل إلا بسلامة محيطها، لذا كان البعد الأخوي والعربي هو الركيزة الأولى؛ فالسعودية كانت وما زالت هي بيت العرب الكبير الذي يلمُّ الشتات ويحملُ الهمَّ القومي بصدقٍ تجرد من الأطماع، مدافعةً عن سيادة الدول العربية، وباسطةً يد العون في كل ملمّة، وظلت ومازالت قضية فلسطين في وجدانها هي المبتدأ الذي لا يتبعه خبر يساوم على الحقوق التاريخية، في ثباتٍ أسطوري يندر وجوده في عالم التحولات الكبرى.

أما في ميزان الرسالة الإسلامية، فقد تسنمت المملكة ذروة السنام بصفتها خادمةً للحرمين الشريفين، محولةً هذا الشرف العظيم إلى مسؤوليةٍ كونية تجاه مليار ونصف المليار مسلم؛ فلم يكن السجل السعودي مجرد رعايةٍ للمشاعر المقدسة، فحسب بل كان سجلًّا حافلاً بنشر قيم الوسطية والاعتدال، والوقوف سداً منيعاً ضد تيارات الغلو والتطرف، مع مدّ جسور التضامن الإسلامي التي لم تترك شبراً في العالم الإسلامي إلا ووضع فيه السعودي بصمة إعمارٍ أو إغاثة.

هذا العمق الإنساني هو الذي صاغ الهوية العالمية للمملكة؛ فالسعودية اليوم تتصدر المشهد الدولي كأكبر مانحٍ للمساعدات الإنسانية نسبةً لناتجها المحلي، حيث تحول “مركز الملك سلمان للإغاثة” إلى أيقونةٍ عالمية للعمل الإنساني المجرّد من الأجندات، واصلاً ببلسمه إلى المنكوبين في أقاصي الأرض، ليرسم صورةً ناصعة لدولةٍ ترى في الإنسان أينما كان الغاية والهدف، وهي القوة الناعمة التي منحت الدبلوماسية السعودية قبولاً ومهابةً في كل محفل.
وفي ظل المشهد الدولي الراهن، حيث تمور الأرض بصراعاتٍ إقليمية ودولية حادة، تتبدى عبقرية الدبلوماسية السعودية في قدرتها الفائقة على إدارة التناقضات الدولية برصانة الحكمة والحنكة والقيادة فبينما يغرق العالم في الاستقطاب، تبرز الرياض كمهندسٍ للاستقرار ومنصةٍ للحوار العالمي، مستندةً إلى قوة اقتصادية جبارة وضعت المملكة في طليعة دول مجموعة العشرين، ورؤيةٍ وطنية (2030) لم تعد مجرد مشروعٍ داخلي بل أصبحت ميثاق حضاري ودستور اقتصادي عالمي للتحول التنموي.

إن قوة العلاقات الوثيقة التي تنسجها المملكة اليوم مع الشرق والغرب ليست مجرد تبادل مصالح، بل هي اعترافٌ دولي بأن الرياض هي، بوصلة الاتزان التي لا يمكن للعالم أن يبحر دون هداها، ليبقى سجلها العربي والدولي المشرف شاهداً على دولةٍ جمعت بين فروسية العرب وحكمة الإسلام وعصرية الدولة، صانعةً تاريخاً يُكتب بمداد من النور في سفر الحضارة الإنسانية.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى