ليست كل المحن شرًا خالصًا، وليست كل الأقدار المؤلمة دليلًا على غياب الخير. فكم من أزمة ظنها الناس نهاية الطريق، ثم اكتشفوا لاحقًا أنها كانت بداية مرحلة جديدة أكثر وضوحًا ونضجًا وقوة. وهذه سنة من سنن الله في الأمم والشعوب؛ أن يبتلي، ثم يكشف، وأن يمهل، ثم يُظهر الحقائق كما هي دون زيف أو أقنعة.
وفي خضم الأحداث التي تشهدها المنطقة العربية اليوم، يتجلى هذا المعنى بصورة لافتة. فما عاشه اليمن خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد أزمة سياسية أو صراع عسكري عابر، بل كان اختبارًا تاريخيًا كشفت نتائجه كثيرًا من الحقائق التي كانت خافية على البعض. فالمحنة الطويلة التي فرضتها مليشيا الحوثي على الشعب اليمني أظهرت بوضوح الفارق بين مشروع الدولة ومشروع المليشيا، وبين من يعمل من أجل استقرار اليمن ومستقبله، ومن يسعى لاختطاف قراره الوطني وربطه بأجندات خارجية.
وقد تحمل اليمنيون سنوات قاسية من المعاناة الاقتصادية والإنسانية والأمنية، لكن هذه السنوات ذاتها ساهمت في كشف طبيعة المشروع الحوثي ومن يقف وراءه ويدعمه. كما كشفت للشعب اليمني وللعالم حجم الأخطار التي تمثلها الجماعات المسلحة على الدولة الوطنية ومؤسساتها وسيادتها.
وفي المقابل، أثبتت المملكة العربية السعودية، ومعها دول التحالف العربي والإسلامي، ثبات موقفها في دعم الشرعية اليمنية والحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع سقوط اليمن بالكامل في دائرة الفوضى. ومع مرور الوقت وانطلاق عملية فجر اليمن أصبحت الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، واتضحت حقيقة المواقف والاصطفافات أمام الجميع.
إن من أعظم الحكم التي تحملها الأزمات أنها تكشف الأقنعة. ففي أوقات الرخاء قد تختلط الشعارات بالحقائق، وقد ينجح البعض في تسويق نفسه مدافعًا عن الأوطان وهو يعمل عكس ذلك تمامًا. لكن عندما تضيق الدوائر وتشتد المحن يظهر الصديق الحقيقي من المتاجر بالقضايا، ويتبين الحليف الصادق من المستفيد من استمرار الفوضى.
ومن ينظر إلى المشهد الإقليمي اليوم يلحظ أن كثيرًا من المشاريع التي قامت على استغلال الانقسامات ودعم المليشيات المسلحة تواجه تحديات كبيرة وانكشافًا متزايدًا. وما يحدث لإيران وأذرعها في عدد من الساحات العربية لا يمكن فصله عن سنن الله الجارية في الأمم. فالمشاريع التي تُبنى على إضعاف الدول الوطنية وزرع الانقسامات وإدامة الصراعات قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تستطيع الهروب من استحقاقات الواقع والتاريخ.
وفي العراق ولبنان وسوريا واليمن، دفعت الشعوب أثمانًا باهظة بسبب الصراعات والتدخلات والمشاريع العابرة للحدود. ومع ذلك فإن التطورات المتلاحقة أثبتت أن إرادة الشعوب أقوى من كل مشاريع الهيمنة، وأن الدولة الوطنية تبقى الخيار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والأمن والتنمية.
ومن منظور إيماني، فإن المؤمن يرى في هذه التحولات جانبًا من حكمة الله وقدره. فالله سبحانه وتعالى قد يُمكّن للباطل فترةً من الزمن، لا حبًا فيه، وإنما ليكشف حقيقته كاملة أمام الناس، وحتى تتميز الصفوف وتظهر المواقف وتنكشف النوايا. وعندما تكتمل الصورة يسقط الزيف من تلقاء نفسه، ويصبح الحق أكثر وضوحًا وثباتًا.
لذلك فإن ما تشهده المنطقة اليوم من تغيّرات سياسية واستراتيجية لا ينبغي النظر إليه بمنطق اللحظة وحدها، بل بمنطق المآلات والنتائج. فربما كانت سنوات المعاناة الطويلة سببًا في بناء وعي جديد لدى الشعوب، وربما كانت المحن القاسية مقدمة لمرحلة أكثر استقرارًا وقوة.
وفي اليمن تحديدًا، تتجه أنظار كثير من المواطنين نحو مستقبل يتطلعون فيه إلى استعادة الدولة الشرعية وبسط سلطة المؤسسات على كامل التراب الوطني، وإنهاء حقبة الانقلاب وما خلفته من أزمات ومعاناة. ويزداد الأمل كلما اتضحت الحقائق وتراجعت المشاريع التي قامت على الفوضى والسلاح والانقسام.
إن التاريخ يعلمنا أن الفرج كثيرًا ما يأتي بعد أشد ساعات المحنة، وأن النور يقترب حين يشتد الظلام، وأن حكمة الله قد تتأخر في الظهور لكنها لا تغيب أبدًا. ولهذا يبقى اليقين راسخًا بأن ما تمر به المنطقة اليوم ليس إلا فصلًا من فصول التحول الكبير الذي تكشف فيه الحقائق، وتسقط الأقنعة، وتعود فيه الكلمة للدولة والاستقرار والتنمية.
فحين تبدو المحنة طويلة، وتظن القلوب أن الفرج قد ابتعد، تأتي الأقدار لتؤكد من جديد أن تدبير الله أعظم من حسابات البشر، وأن وراء كل ابتلاء حكمة، ووراء كل صبر نصرًا، ووراء كل عسر يسرًا لا يراه إلا من أحسن الظن بربه وانتظر وعده بثقة ويقين.














