يستوطن “الوجعُ اليمني” اليوم مفاصل التاريخ، وتغدو الكتابة عن اليمن في مخاضه العسير ليست مجرد ترفٍ فكري، بل هي شهادة حق أمام ضمير الإنسانية وذاكرة الأجيال التي لن ترحم أحداً، ونحن نرقب المشهد من شرفة الألم، يتجلى التباينُ الصارخ بين نهجين لم يتعاملا مع اليمن بمنطق الجغرافيا السياسية فحسب، بل بمنطق الغاية والوسيلة، فثمة فرق شاسع بين من يرى في اليمن عمقاً استراتيجياً وأخوياً يقتضي الالتزام بالبقاء والبناء، ومن يراه مجرد منصة إطلاق أو ورقة مقايضة في بازار الصراعات الإقليمية، إن المتأمل في لغة الأرقام وشواهد الأرض يجد أن المملكة العربية السعودية قد اختارت منذ البدء أن تمد يدها لتضميد الجراح التي أثخنت جسد الدولة اليمنية، حيث لم تكتفي بالدور العسكري الداعم للشرعية، بل انبرت لتكون المانح الأول والأكبر عالمياً، محولةً مليارات الدولارات إلى شرايين الاقتصاد المتهالك عبر الودائع المركزية التي لولاها لصار الريال اليمني قصاصات منسية من الورق، ناهيك عن ذراعها الإنساني “مركز الملك سلمان للإغاثة” وبرنامج “إعمار اليمن” اللذين بلغا في عطائهما أقاصي الجبال وبطون الأودية، ليرسما واقعاً ملموساً من المدارس والمستشفيات والطرق المعبدة بالأمل، في معركة تنموية تهدف لاستعادة الإنسان اليمني من براثن العدم، وفي المقابل، يقفُ الدور الإيراني في اليمن كصورة معتمة في مرآة التاريخ؛ إذ لم تُسجل التقارير الدولية ولا سجلات الأمم المتحدة حتى مطلع هذا العام شحنة غلال واحدة أو مشروعاً تنموياً أقامته طهران لإطعام جائع أو إيواء نازح.
بل كانت الهدايا الإيرانية دوماً مغلفةً بالبارود ومحشوةً بأيديولوجيا الموت.
إن المفارقة الأخلاقية تكمن في أن إيران التي استثمرت في الفوضى وبذلت السخاء في تكنولوجيا المسيرات والصواريخ الباليستية لتمكين ميليشيا الحوثي من خنق الدولة، هي ذاتها التي غابت تماماً عن مؤتمرات المانحين وعن منصات الإغاثة الإنسانية، وكأن لسان حالها يقول… إن اليمن لا يستحق الحياة إلا إذا كان وقوداً لحروبها.
إن هذا الصراع الوجودي الذي يعيشه اليمني اليوم بين سندان المليشيا ومطرقة التدخلات العبثية، يضع النخبة اليمنية والعالم أمام حقيقة لا تقبل التأويل… وهي أن البقاء اليمني مرهون بالتمسك بالعمق العربي الذي يبني ويحيي، لا بالمحور الذي يهدم ويُميت.
وفي هذا الشهر الكريم، وبينما تشتد غربة اليمني داخل وطنه وخارجه، يبقى العزاء الوحيد هو ذلك الصمود الأسطوري لشعبٍ يرفض الذوبان في المشاريع الايرانية الدخيلة، وينتظر فجراً لن يصنعه إلا احرار اليمن والمخلصون الذين لم يتركوا اليمن وحيداً في مواجهة العاصفة، مؤمنين بأن التاريخ لا ينسى اليد التي غرست نخلة، ولا يغفر لليد التي زرعت لغماً.














