/
/
ست سنوات من البناء الهادئ: كيف رسّخت هيئة الصحفيين حضورها في حفر الباطن؟

ست سنوات من البناء الهادئ: كيف رسّخت هيئة الصحفيين حضورها في حفر الباطن؟

Picture of بقلم _ د. غالب محمد طه

بقلم _ د. غالب محمد طه

شهدتُ مساء الأمس احتفال فرع هيئة الصحفيين بحفر الباطن بمرور ست سنوات على تأسيسه. كان الاستقبال دافئًا على نحو يعكس روح الهيئة ومسارها منذ بدايتها؛ وردة تُقدَّم عند المدخل، وابتسامات صادقة تهيئ الزائر لأمسية يشعر فيها بأن المكان يعرفه ويحتفي به. كانت القاعة ممتلئة، والحضور متنوعًا، تجمعهم ألفة واضحة تجعل اللقاء أقرب إلى اجتماع عائلة كبيرة، وكانت المحبة في المكان أشبه بغيمة ماطرة تتوزع بعدل على الجميع.
الفيلم القصير الذي عُرض في بداية الحفل قدّم صورة مركّزة عن السنوات الماضية؛ بدايات بسيطة، محاولات متتابعة، ورغبة واضحة في أن يكون للمدينة مكانها في المشهد الإعلامي والثقافي للمملكة. كان الفيلم يذكّر بأن ما نراه اليوم لم يأتِ دفعة واحدة، وأن كل خطوة احتاجت إلى تصميم وإصرار وعمل صامت لكنه متواصل.
أما لحظة التكريم فكانت مختلفة؛ طريقة بسيطة لكنها صادقة في الاعتراف بجهود أشخاص يعملون بعيدًا عن الضوء، وكأن المنصة تقول لهم إن ما يفعلونه حاضر في الذاكرة، حتى لو لم يطلبوا ذلك. كما لفت نظري العدد الكبير من الوجوه الشابة في القاعة، وهو حضور يعكس رغبة جيل جديد في أن يجد لنفسه مكانًا في المشهد الإعلامي، وأن يشارك في صياغة صورته لا في متابعتها فقط. وأسعدني أن أسمع أسماء أعرفها من خلال تغطياتهم اليومية لشأن المحافظة؛ لم أتعرف إليهم عن قرب، لكن حضورهم المستمر جعل فرحتي بهم شخصية، فالمشهد الإعلامي هنا يقوم على تكامل الجهود لا على المفاضلة.
وقدّم الفرع خلال السنوات الماضية برامج تدريبية شملت مهارات العمل الصحفي والإعلام الرقمي والتفاعلي، ووفّر محتوى معرفيًا ساعد المشاركين على تطوير أدواتهم، مع التركيز على التنوّع المهني بما يتماشى مع السياسة الإعلامية للمملكة ورؤية 2030، ودور هيئة الصحفيين السعوديين في دعم الكفاءات وتمكينها.
شهد الإعلام المحلي في المملكة خلال العقد الأخير تغيّرًا واضحًا؛ انتقل من التغطية التقليدية إلى مساحات أوسع من المشاركة وصناعة المحتوى المتخصص هذا التحول لا يقرا منفصلًا عن رؤية 2030 التي دفعت نحو تمكين المناطق من بناء منصاتها الإعلامية وتعزيز حضورها، وفي هذا الإطار، تبدو تجربة فرع هيئة الصحفيين بحفر الباطن جزءًا من هذا المسار؛ انتقال من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي، ومن التغطية السريعة الناشئة إلى بناء قدرات مهنية قادرة على إنتاج محتوى يعكس هوية المكان.
ويظل عام 2019 حاضرًا في الذاكرة؛ ففيه تقدّم سلمان المشلحي بمبادرة إنشاء الفرع، مبادرة أعادت ترتيب المشهد الإعلامي في المحافظة وفتحت الباب لوجود رسمي طال انتظاره. ومنذ ذلك الوقت، أصبحت الزيارات القيادية التي تلت ذلك متابعة طبيعية لمسار بدأ بفكرة واحدة ثم اتسع ليخدم أبناء المنطقة.
من خلال ما شهدته وما تابعته خلال السنوات الماضية، بدا واضحًا أن الفرع يتقدم بخطوات ثابتة، وأنه يحاول أن يصنع لنفسه مسارًا يعكس طموحات أبناء المحافظة ويمنحهم مساحة للتعبير والعمل. من تجربتي وملاحظتي، يبدو أن الهيئة لم تكتفِ بالوجود، بل بدأت فعليًا في صياغة حضور إعلامي يليق بالمحافظة وطموحات أبنائها.
ست سنوات ليست زمنًا طويلًا، لكنها كافية لتقول إن حفر الباطن تمتلك الإمكانيات والطاقات والإرادة. ويبقى التحدي اليوم في تحويل هذه الإمكانيات إلى مشاريع إعلامية واضحة تُبرز ما لدى المحافظة من فرص اقتصادية وثقافية، وتضعها في موقعها المستحق على الخارطة الوطنية. والسؤال الآن: هل ستتجه هذه الطاقات نحو مبادرات إعلامية تُحدث أثرًا حقيقيًا؟ المسؤولية مشتركة بين الهيئة، والإعلاميين، والمجتمع المحلي لضمان أن يكون الصوت الذي بدأ يتشكل اليوم أكثر حضورًا وتأثيرًا في المستقبل.
وفي نهاية هذا المسار الذي شهدته عن قرب، لا يسعني إلا أن أبارك لفرع هيئة الصحفيين بمحافظة حفر الباطن هذه السنوات الست، ولمن عملوا خلالها بصبر وإخلاص، وما تحقق يستحق التقدير، وما هو قادم يحتاج إلى استمرار هذا النفس الهادئ الذي يصنع أثره بهدوء وثبات، ليبقى علامة واضحة في المشهد الإعلامي المحلي، حاضرة في ذاكرة المدينة وملهمة لكل من يطمح أن يترك أثرًا يتجاوز اللحظة.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى