رحلة الحبشة مع المحمل الحبشي يصف الخراصي رحلته نحو الحبشة في وسط القرن الأفريقي غرب البحر الأحمر . يقول والوصف له: تحركنا من جدة برفقة المحمل الحبشي صباح اليوم التاسع والعشرين من الحجة عام ١٣٦٠ هجري ، وصلنا المرفأ بجدة ضحى ، وإذا البارجة على رصيف المرفأ . سبقتنا حقائبنا وأغراضنا للبارجة ثم ركبنا جميعاً البارجة . البارجة باخرة عملاقة برتغالية مستأجره سبحان من اللهم الإنسان على صنعها من أجل أن يتكيف سيرها فوق البحر ذلك العملاق من ماء . تتلاطم أمواجه . البارجة تشق عبابه ، وتنفح أمواجه . سبحان مجريها ومرسيها . ما أن استوينا بالركوب فوقها وأخذنا مقاعدنا . أخذت هجوس النفس تتدفق بالتساؤلات ، وتجول بالخاطر بين رعب وخوف ، وتفكر في صناعة هذه البارجة . هل صنعت بالبر أم بالبحر ؟ وان صنعت البر كيف دخلت البحر ؟ اجاب أحد الاحباش فرفوش الحديث بقوله: تصنع القاعدة والحوض بالبر ثم تجر إلى المياه بالبحر ، ويكمل انشائها قطعاً قطعاً حتى يكتمل بناء السفينة ، وحسب قوة الدولة وإمكاناتها ، ومهارة عمالتها في صناعة السفن ، وخبراتها التراكمية تكون السفينة على ماترى . تتباين السفن فيما بينها قوة الصنعة ومخرجاتها .
صدح مزمار البارجة المزعج أذاناً بتحركها ، وعيني مشغولة ترقب المرفأ وتسبره ، وفي الخاطر ما فيه ، وشواهد مباني جده بارزة المعالم ، والجوف من الداخل يرتجف ارتجافاً لم عهدها من قبل ، واقول لمن حولي متلعثم بالكلام هذا وطني يجذبني إليه لسان حاله لا تغترب عن الوطن وسمية مجتمعه . الحنين من أعماق الفؤاد له ، والخوف من ماهو غائب بالحبشة أكثر ، ومن حولي الاحباش يهونوا من التوتر والخوف ، وأقول: في نفسي من الداخل انتقل من دولة أبن سعود ، ووطني وعزوتي إلى دولة الحبوش ، وأرض سحم البشرة .. فحم الوجوه ، واهون على نفسي هذا القدر والرزق ، والتوفيق بالله . عليا أن استعن بالصبر ، وتحلى بالسمع والطاعة ، وتحمل كبد الغربة ، واردد سنة واحدة فقط مغترباً عن الأهل والوطن ، واجلب خلالها الغنائم ثم أعود لهما . مجسراً النفس إنه القدر و المعيشة من أجلهما نتحمل الغربة والكبد . تحركت البارجة ، واهتزت جوانبها ، وأعيني مسمره نحو المرفأ ومعالم مباني جدة . تتوق النفس ، وتسول ان قفز من البارجة نحو المرفأ ، ومن حولي من يهون هذا التصرف غير محمود العواقب مذكرين بمخاطر ذلك . انتحار لا يرضاه الله ، ولا رسوله ، اتجرع مرارة ذلك على مضض متحسفاً بالرحيل ثم تنبثق الافكار السوداوية مالك ، وما الرحلة بالحبشة ما تدري أن تسترق وتباع رقيقاً بأسواق النخاسة ” بيع الرقيق ” أو غيرها من خواطر سوداوية تأزني ازاء على القفز .
البارجة تبتعد شيئاً فشيئاً عن المرفأ والعين لا تغفل عن سبر ذالك المرفأ حتى غاب المرفأ عن النظر ، وحال من دونه البحر ، وزرقته ، والبارجة تشقّ عباب البحر ، والامواج تتلاطم كالطود . تهتز جوانبها ، وتميل يمناً ويسراً مقاومه الموج واعتراضه ، والرياح لا تقل عن الموج صبا ، والقلب يرتجف ويقترب من الحنجور مع صفق الموج والرياح .
منع عني الطعام بالبارجة مغبة الزوم باعتباره أول ركوب بها ، ومغبة التطريش ، ولم البث حتى أصابني دوار البحر ، وناولوني حبتين . تبين فيما بعد حبوب منع دوار البحر . ثلاث أيام في غبة البحر . نتبادل اطراف الحديث احياناً ، ونتدرج على ظهر البارجة من مقدمتها إلى مؤخرتها حيناً ، ونتجول داخلها حيناً ، ونشاهد البحر ولجته . متعجبين من صنع الخالق . ذاكرين الله بالحمد والاستغفار ، وبينما تسير البارجة في طريقها نحو الغرب الجنوبي . ظهرت ملامح اليابس من بعيد . يحول بيننا وبينها عسوم . كلّما اقتربنا شيئاً فشيئاً فاليابسة تبرز شيئاً فشيئاً . شاهدت عساماً كالدخان يميل لسواد . قيل هذه جبال الحبشة واخضرارها يخيل عسام أو سواد إنما سواد اشجار الجبال جاثمة . كلما اقتربنا من مرفأ عصب تتضح الملامح أكثر شيئاً فشيئاً . بدأنا نبصر مرفأ عصب بوضوح شيئاً فشيئاً رست البارجة بجانب المرفأ ، وانتظرنا الأذن بالنزول . المرفأ جميل ومتطور بخلاف مرفأ جدة في ذالك الزمان . زمان شحيح الموارد . مرفأ عصب منظم المداخل والمخارج والصالات ، وحدائق المرفأ جميلة ، وصالات الانتظار منظمة ، والمشرفين على المرفأ طليان تختلف بشرتهم عن بشرة الاحباش بشرة لؤلؤية ، وقامة فارعة الطول ولبس نظر مميز ونظيف . سبحانه . ما يفصل بين ديارنا وديارهم سوى البحر ضفته الغربية دوحة خضراء ، وضفته الشرقية فيافي قفراء ، والله المعطي ، ومقسم الارزاق .
بينما في صالة المرفأ جائني رجلاً حنطي البشرة تحدث إليا بلغتي ، وقال: أسمه مذعور عويض العالي الروقي ويكرر في كلامه ” أذوان ” استغربت ، فبادرته ما أنت روقي ؟ هذه الكلمة ما ينطقها روق فقال: خوالي سليم ، ويقال لنا الرشايدة بهذه البلاد ، وخليط من قبائل الجزيرة العربية بهذه البلاد ، ومحتفظين بهويتنا لغةً ولهجةً ، ووجه دعوة بتشريفهم بحلتهم حينما علم اني عتيبي ، وذكر منازلهم قريبة من المرفأ قريتهم العالية نسبة لهم . تعذرناه وارجينا دعوته فيما بعد ثم غادرنا المرفأ نحو الغرب نميل جنوباً شيئاً فشيئاً مسافة المائة كيلاً وزد قليلاً ، ودخلنا قرى عامرة بالدور ، ومزارع ومساجد عديدة على سفح هضبة تحيطها جبال شمخ غير قرعاء . تكتسيها الاشجار العملاقة ، وعشب أخضر نابتاً في اديمها . نشاهد شجر الحلفاء هنا وهناك بكثرة من اشجار الجزيرة العربية لاسيما تهامة ، وحيازاتهم الزراعية في منحدرات الجبال ، ومهابط الوديان . استقر بنا المقام بأحدى قرى الهضبة تنعت بالفاشر .
الصباح الباكر . أهالني المنظر ، والنعيم المقيم العشب ورائحته ، وخضار الارض . يكسي الجبال ، والاشجار العملاقة ، والمنازل الحجرية مرصوصة رصاً جميلاً ، والحيازات الزراعية منظمة تنظيماً جميلاً ، والماكولات الذيذة بأمهر الطهاة ، فلم أبصر نعيماً كهذا النعيم من قبل ، متقلباً فيها أيقنت انها الجنة الموعودة التي وصفها لنا المطاوعة ” لا عين رات ، ولا أذن سمعت ” دغدغني اليقين انها الجنة لا حدس فيه ، ويؤكد هذا . الغمام تظلهم ، والسماء تسكب على أديم أرضهم بالودق عصراً وضحوية . ما ازين دموع السحاب تتساقط على اديم أرضهم ، وتسكب سكباً ، والضباب يغطي الجبال وسلسلة القرى . نعيم يترع عليهم بالخيرات ما الله أعلم به حتى رأيتهم يدربوا أطفالهم الرماية على الحيوانات والطيور الداجنة دون الحاجة إليها أو اكلها ، ويعرضون الاطفال والصبية مهارات رميهم بقنص الطيور من الجو ، ويتركون تلك النعم مرمية على الأرض ، وبلغ بهم أن يركزوا كسرة الخبز اليابسة إشارة لرماية ، وأكوام العصيدة واللحم مرمي بالطرقات . ينحدر منها الدهن والسمن البري والعسل بأرضية الطرقات بخلاف مخلفات اطعمتهم الأخرى كاللحوم المزبورة مرمية بجانب قارعة الطريق ، وفي اماكن غير محترمة . هذا كله خنى . وإسراف عن الحاجة ، فهو عين الإسراف ، وأن قلت تبذير فهو التبذير بعينه . أيقنت بزوال النعم عنهم . إحترام النعمة من الشكر . وانتظرت العودة لوطني بفارغ الصبر . مغبة غضب الله ، وعقوبته تجتاحهم . ادركت يومها ستفر منهم النعم ، وتأتيهم مجاعة ، وأيام صعاب ، وهذه علاماتها ، وأثارها . يعملون عندنا رعاة ، وطبابيخ وقهوجية ، وخدم وغيرها عند شعوب كانت تعمل عندهم ، وما نحن فيه من نعم ليس ببعيد عنهم مالم نحافظ عليها بالشكر ، وعدم رميها . شكر النعم احترامها وتوقيرها بالشكر والمحافظة عليها ، وعدم رميها بالطرقات ، وعلى حافة قارعة الطريق ، وبجوار حاويات النفايات . ناكل بقدر الحاجة لا تبذير ، ولا إسراف ، ومن شكر النعم الحفاظ عليها . من لا يعرف الحبشة يجهلها فالحبشة كانت دوحة خضراء . سلة غذاء . الفواكه المتنوعة الأصناف ، والحبوب عديدة الأصناف ، والحيوانات المختلفة . البرية وبهيمة الانعام ، والطيور بأنواعها ، وصيد البر والبحر بانواعه . نعم تترع عليهم في ذلك العصر . نسأل الله شكرها .
العدد القادم نكمل الرحلة بالحبشة .
دام عزك ياوطن ، ودام عز سلمانه . سلمان الحزم ، وعز ولي عهده محمد العزم ، وادام الله عز القيادة الرشيدة بالنصر والتمكين والعزة والرفاهة .
بقلم/ خالد حسن الرويس
بقلم/ خالد حسن الرويس
بشير الرشيدي
- 05/01/2026
- 59822
شاركها
-
المملكة تستأنف تشغيل خط أنابيب شرق-غرب بعد توقف مؤقتمنذ 17 دقيقة
-
اكتمل الصف بصدق العزيمة وقوة الإيمانمنذ ساعة واحدة
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
-
الاعلامي رشيد البلوي
كتبت فأجدت بورك في قلمك...
أخبار المجتمع














