هناك مديرون لا يُنسون… لا لأن مناصبهم لامعة أو قراراتهم صاخبة، بل لأنهم امتلكوا تلك القدرة النادرة على رؤية الإنسان قبل الوظيفة، والجهد قبل المهمة، والقيمة قبل المعاملة الرسمية. هم أولئك الذين لم يعتبروا الموظف رقماً في كشف الرواتب، بل روحاً تعمل، وقلباً يحاول، وعقلاً يبتكر، وكل ذلك يستحق الاحترام والتقدير.
إن المدير الذي يرى في موظفيه شركاء لا أدوات، يترك في نفوسهم أثراً لا يزول. فهناك كلمة ثناء صادقة، وربتة دعم بسيطة، وإيمان خفي بقدرة موظف ربما لم يؤمن بنفسه بعد. هؤلاء المديرون يزرعون في قلوب محيطهم شعوراً بالأمان الوظيفي، فيكبر العطاء من دون طلب، ويتضاعف الولاء من دون مطالبة، ويتحول العمل إلى مساحة نور لا إلى ساحة ضغط.
لفت الوفاء هنا ليست مبالغة ولا مجاملة، بل هي اعتراف بفضل كل مدير وقف يوماً ليقول لموظف: “أنا أرى ما تفعل”. كلمة صغيرة، لكنها تغيّر مسار يوم، وربما مسار حياة. هي الكلمة التي تجعل الموظف يفتح باب الصباح بثقة، ويواجه مسؤولياته بطمأنينة، ويشعر بأن جهده محل تقدير، لا مجرد واجب.
والمدير الذي يستثمر في مهارات موظفيه، الذي يلمح موهبة صغيرة ويختار أن يعتني بها، هو المدير الذي يؤمن بأن النجاح رحلة جماعية. لا يخشى أن يتفوق عليه أحد، ولا يخاف أن يبرز غيره. يعرف أن القائد الحقيقي هو من يصنع قادة، لا من يجمع حوله أتباعاً.
ومما يزيد هذا الوفاء رسوخاً أن المدير الناجح لا يكتفي بالتقدير، بل يُقيم ميزان العدالة بين موظفيه. فهو يعرف أن العدالة ليست قراراً يصدر، بل روح تُمارس. المدير العادل لا يضع الناس في كفة واحدة، بل يعطي كل فرد حقه، ويمنح الجهد مكانته الحقيقية، ويحفظ للإنسان كرامته قبل أن يحفظ للوظيفة هيبتها. هو الذي لا تميله عاطفة، ولا تعميه علاقة، ولا يغمض عينه عن حق صغير مهما بدا بسيطاً. في حضرة هذا المدير يشعر الموظفون أن أبواب الفرص مفتوحة للجميع، وأن النور يصلهم بالتساوي، وأن العدل ليس شعاراً مكتوباً على جدار الإدارة… بل ممارسة يومية تراها العيون وتطمئن لها القلوب.
هذه المقالة لفت وفاء لهم… لأولئك الذين لم يجعلوا من الإدارة سلطة، بل جعلوها إنسانية. الذين عرفوا أن الكلمة الطيبة ليست ضعفاً، وأن الاعتراف بالجهد ليس مجاملة، وأن رؤية ما وراء الملفات والجداول والمهام هو أرقى ما يمكن أن يقدمه مدير لفريقه.
إليهم… شكراً لأنكم فهمتم أن العمل ليس مجرد حركة، بل قيمة. وأن الإنسان ليس مجرد موظف، بل طاقة. وأن البيئة الناجحة تُبنى بقلوب مطمئنة قبل أن تُبنى بخطط مكتوبة.
ويبقى السؤال الذي يكشف حقيقة كل قائد: هل أنت مدير يعبر الموظفون من أمام مكتبك… أم يعبرون من خلالك إلى مساحة أوسع من الثقة والعدل والإنسانية؟
صالحه السريحي














