/
/
في مكان وسط الزحام

في مكان وسط الزحام

Picture of بقلم _ سالم صعيكر البلوي

بقلم _ سالم صعيكر البلوي

قبل أن أكتُبَ هذه السطورَ التي ترونها ماثلةً أمام أعيُنِكم، معاشرَ القارئين، لا أُحصي كم قد أقدمتُ وكم قد أحجمتُ! لا لشيءٍ محدَّدٍ أو عِلَّةٍ أشكو منها ولا حتى من ما يُسمَّى بِحُبْسةِ الكتابة فالحمد لله القلمُ سيّالٌ وهاجسُ الكتابةِ إذا استدعيتُه وثبَ عفريتاً مارداً يُملي عليَّ ما أُمليه عليه، في تجاوبٍ لافتٍ وعزمٍ قويٍّ، لكنِّي مصابٌ بعقدةِ الكمالِ شفى اللهُ منها هاجسي، وبلَّغني اللهُ وإياكم ما نصبو إليه في صحةٍ تامة وعزمٍ موفور في عالمٍ يمشي كما يُقال عكسَ ما يُراد له إلا من إرادة الله الواحد القهار، في الأيام القليلةِ الفائتةِ وقعتْ بين يَدَيَّ مذكراتٌ تسلب الألبابَ وتأخذ بمجامع القلوب وهي للكاتب والروائي المصري عمار علي حسن اسمها (مكان وسط الزحام) التي وضعتُ عنوانَ مقالي على عنوانها لأستلفتَ إليها أعينَ القرَّاء، وأبشِّرَ بها النهمين منهم، لعلمي أنها قد جمعت ما عزَّ نوالُه في غيرها ولا أقول هذا مبالغةً أو تسويقاً ولكنَّها انطباعاتُ قارئٍ وجد ما قال (إنْ صدقاً وإنْ خطأً) فلا تُحمِّلوه تِبْعَةَ ذوقٍ دفع فيها ما دفع! وفي السكوت ما يكون جواباً بل أبلغَ جواب وسَوْقُ الكلامِ للألِبَّاء من الناس وهم الناس أما سائرهم كما قيل:
وباقي الناس من همجٍ رعاعٍ
وفي إيجادِهم لله حكمة

فما أغربها من حكمة لو كان لنا طولُها، ولكنّها حتى في بطون الكتب يعِزُّ نشدانُها، ولا تجدها في معتركِ الحياةِ اليوميةِ التي شأنُها البلادةُ والتَّبَلُّدُ! لا أريدُ أن أنهمرَ أكثرَ من ذلك حتى لا يُخرِجني الانهمارُ عن ما أنا فيه من الحديث، فالنسيانُ دواءُ المفجوعين.

بدأتُ القراءةَ في هذه المذكرات فأتيتُ عليها في يومين اثنين وهي تربو على ثلاثمائة وخمسين صفحة، أُنجِدُ وأغورُ، وأُصعِّدُ وأنحدرُ في تعاريجها ومفترقاتِها، فرائِدُها التنوع والمغامرات ومما زادها حُبَّاً إليَّ هو ما توفر في كاتبها من صفتين هما النَّهمِ في المطالعة والثانية الطبعِ في الأسلوب لكون من كتبها أديبٌ مُعِرِقٌ في الأدب والذي جعل أسلوبَه رقراقاً ينحدر من صُمِّ الصِّلاد الشامخة يطرِبُ صوتُ نغمِه، ويُروي سلسبيلُه.

في هذه السردية التي أمضيتُ معها لحظاتٍ من الأنس، والمتعةِ والفائدةِ المشحونةِ بالمعاني العميقةِ؛ التي حوَّلها الأسلوبُ الأدبيُّ العالي إلى طرائفَ متنوعةٍ، وفي سياقات الحديث وجدتُني مع أحدها حيث يقول وهو يشرح حاله مع القراءة وكيف أنَّها ارتبطتْ به فأصبحتْ له شغلاً شاغلاً: “كنت معتادًا على القراءة بهذه الطريقة، أحيانًا أمضي على الأرصفة المتآكلة والمزدحمة، وعيناي مصوبتان نحو سطور كتاب أو رواية أو دورية أكون قد اشتريتُها للتو، غير عابئ بموضع أقدامي، ولا بالناس الذين يمرون من حولي، وبعضهم ينظر إليَّ في تعجب، هكذا كنتُ أجدُهم أحيانًا حين أتوقفُ فجأةً، وأنظرُ إلى وجوههم، ثم أعود مرة أخرى إلى السطور”.

حالة الوجد الصوفي هذه التي تفصل عن الواقع لا يُدركُ كُنه نورها إلَّا من استفاضاتْ فيه أنوارُ المعرفةِ وأدرك سرَّها وأبصر نورها، وانخلع من رجس المادية وإخلادِها إلى الأرض حتى وإن كان مشْربُه الفكري مُغايرٌ لما هو مُجمعٌ عليه، إنَّها المعرفة التي منها تنبجسُ القيم السامية التي تسمو بالروح في معارج الملأ الأعلى.

اعلان

اتَّضح دورُ المثقف والكاتبِ الصحفيِّ لعمار علي حسن في مذكراته هذه؛ وهو الانشغال بالهمَّ العام والرُّقي بالمجتمعات ونشر الخير والعدل بغض النظر عن طريقة المؤلف ووجهة نظره في هذه القضايا، وإنَّما أعني المقاصد التي قصد إليها وهذا يُحيلنا إلى مسؤولية المثقف تجاه مجتمعه وماذا عليه وانحيازه إلى الناس ومعرفة نبض الشارع إلى آخر هذه المعاني النبيلة والتي بها يتبيَّنُ المثقفُ المنحازُ إلى تراثه وهويته وامتداده الطبيعيِّ في الأرض، وغيره من الانتهازيين والباحثين عن المصالحِ الضيِّقة.

الواقع له طريقتُه في الفهم والتعامل وهو مغايرٌ ومختلفٌ عمَّا هو موجود في الأوساطِ العلمية أو الثقافية أو حتى الكتب، فالويل والثبور لك من أراد أن يصطحب مثل هذه الأدوات وهو يظن أنها تمنحه امتيازاً وتفوُّقاً في واقعه، اللهمَّ إلا إذا وظفها بذكاء بالغٍ وبطرقٍ تخفى على العامة، وقد أفلح الكاتبُ عندما ذكر في صفحات هذه المذكرات كيف أنَّه لم يأخذِ المعرفةَ فقط من الكتبِ بل كذلك من أفواه الناس يقول: “إذا كانت الكتب هي المصدر الأول لمعرفتي، فإنَّ مصدرها الثاني هو الناس، فكل إنسان تقابله، أو تتاح لك فرصة التعامل معه، هو تجربة حياتية حتى لو كان عاملًا أجيرًا، أو فلاحًا بسيطًا، أو موظفًا صغيرًا. وقد رأيت في حياتي بسطاء، تلقوا قدرًا يسيرًا من التعليم، أو حتى أميين لا يعرفون الألف من النبوت، يفكرون بطريقة منطقية في حياتهم الخاصة، وفي تقييمهم لما يجري حولهم، بينما رأيت حاملي أعلى الدرجات العلمية يفتقدون الحد الأدنى من التفكير العلمي، ويخضعون للأهواء والمنافع والغرائز والأيديولوجيات والمعارف المشوشة الناقصة، وحين تستمع إليهم تنفر منهم، أو ترثي التعليم الذي صنع هذه العقول”.

وهكذا يكون ذكاء المثقف في السبر والتقسيم مع محيطه لجسر الهوَّة وتمتين العلاقة بالتي هي أحسن.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى