/
/
العفن السياسي: حين تدار الدول من خلف معرفات شخصية

العفن السياسي: حين تدار الدول من خلف معرفات شخصية

Picture of بقلم _علي مرزوق

بقلم _علي مرزوق

ما يجري اليوم على منصّات التواصل لم يعد مجرّد ضجيج إلكتروني أو جدل سياسي عابر؛ إنّه انهيار منظّم لقواعد السياسة الحديثة. دول كاملة بأنظمتها وأجهزتها باتت تتحرك عبر حسابات مجهولة أو واجهات شخصية، تمرّر عبرها ما لا تملك الجرأة لإعلانه رسميًا. هنا لا نرى دبلوماسية ولا سياسة خارجية ،بل تلوّث سياسي متعمد، تتراكم طبقاته بصمت فوق رأس الحقيقة حتى تختفي تمامًا.

1_دولة في العلن..وأخرى في الظل

الدولة التي نراها عبر التصريحات الرسمية، ليست هي الدولة التي تعمل في العمق ، نجدها بالعلن خطاب محسوب، وفي الظل رسائل مسمومة، تسريبات مختارة بعناية، تلميحات متعمدة، وترهيب ناعم يمرّر عبر حسابات تدّعي أنها “شخصية” وهي أبعد ما تكون عن ذلك.
هذه الازدواجية ليست خطأ تقنيًا ولا تجاوزًا فرديًا، بل انحطاط سياسي كامل، يهدم الثقة ويزعزع شرعية المؤسسات من أساسها.

2_صناعة الوهم: الحقيقة تتحول إلى سلعة سياسية
في هذا الواقع المتعفّن، لم تعد الحقيقة قيمة محترمة، بل أداة صالحة للتدوير والإخراج المسرحي.
تنتج الحسابات الموجّهة سرديات جاهزة، تبني أعداء وهميين، وتدفن الوقائع تحت طبقات كثيفة من الضجيج الرقمي المصنوع.

الغاية واضحة:
ليس الوصول إلى الحقيقة ؛ بل إغراق الوعي المقابل حتى يفقد القدرة على التمييز بين الواقع والوهم. إنها ليست سياسة ، إنها هندسة إدراكية تدار ببرود، وتهدف إلى التحكم بالعقل قبل الموقف.

اعلان

3_ حرب بلا قواعد .. وخصوم بلا وجوه

عندما تنخرط الدول في الصراع الرقمي، تتحوّل المنصّات إلى ميدان معركة بلا دستور ولا أخلاق.
كل طرف يزرع جنوده الرقميين، ويطلق موجات التشويه، ويغرق الفضاء برسائل مضادة تقصد تضليل الآخر أو إضعافه أو دفعه إلى ردّ فعل غير محسوب. وهنا تنهار الحدود بين الإعلام والاستخبارات، بين الخبر والتخريب، بين التحليل والتسميم المعنوي. إنّ هذا ليس تنافسًا سياسيًا..بل عدوى سياسية شاملة تتكاثر كالفيروسات.

4_لماذا هو عفن؟

لأن العفن لا يحتاج إلاّ إلى شيء واحد كي ينمو : الظل.
حين تدار السياسة من قبل أشباح رقمية، فإنها تتحول إلى : ساحة قذرة ، مليئة بالسموم المعلوماتية، بلا مسؤولين يحاسبون، وبلا خطوط أخلاقية تحفظ حدود اللعبة. وهذا ليس خلافًا سياسيًا..إنه تفسّخ سياسي يكشف مدى هشاشة الأنظمة حين تهجر الشفافية.
5_الطريق للخروج: مواجهة لا مجاملة بعلاج هذه الظاهرة بخطابات مطمئنة أو بيانات تلطيفية. بل تواجه عبر: تعرية الحسابات الموجّهة وعدم منحها غرفة للاختباء ، وإعلام مسؤول يسدّ الفراغ الذي تتسلل منه الروايات المصنّعة ، ووعي عام متيقّظ يفرّق بين الخبر والتلاعب ، وتفكيك الحملات المنظمة ووضعها أمام الجمهور فور ظهورها.
فالسكوت عن هذا العفن ليس حيادًا بل مشاركة في انتشار الرائحة.

شاركها

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى