رُنيّةُ بلدةٌ تاريخيّةٌ ضاربةٌ في أعماقِ الزمن، تتربّعُ في قلبِ شبه الجزيرةِ العربيّة، وقد وردَ ذِكرُها في كتبِ المؤرخينَ والرحّالةِ القُدماءِ بوصفها من المدن القديمة المأهولة منذ عصورٍ بعيدة. تمتدُّ حدودُها حتى تُبالة، وهي من أقدمِ المراكزِ الحضاريّةِ في إقليمِ جنوبِ الحجاز، حيثُ شكّلتْ عبر القرونِ صلةَ وصلٍ بين الحاضرةِ والباديةِ، وممراً تجارياً للقوافلِ العابرةِ من الشمالِ إلى الجنوب.
ومن أبرزِ معالمِها الطبيعيّةِ والتاريخيّةِ الأوديةُ المشهورةُ مثل وادي رُنيّة، ووادي العُفيرية، ووادي الأملح، التي كانتْ شرايينَ الحياةِ للمنطقة، تنسابُ مياهُها كأنها خيوطُ فضّةٍ فوقَ بساطِ الأرض. وتحيطُ بها الجبالُ الشامخةُ من كلِّ جانبٍ، كأنها حُرّاسٌ من الصخرِ يحفظونَ سرَّ المكان، ومن أشهرِ تلك الجبالِ: جبل الضرم وجبل كويكب وجبل ملهي وجبل العماير، وهي شواهدُ ناطقةٌ على قِدَمِ الاستيطانِ وخصوبةِ الأرض.
وتتوزّعُ حولَها القرى العريقةُ مثل: الضرم، وكويكب، وملهي، والعماير، ومقابل، والدار البيضاء، والعثيثي، والفرعة، وكلّ قريةٍ منها تُعبّرُ عن صفحةٍ من تاريخٍ طويلٍ، حيثُ لا تزالُ بقايا الآبارِ القديمةِ والمزارعِ التقليديّةِ تحكي عن حياةِ الأجدادِ وبساطةِ عيشِهم.
وفي الجانبِ الإداريّ، تضمُّ رُنيّة عدداً من المراكز الحيويّة التي ساهمتْ في تطويرِها وتنميتها، ومن أبرزِها: العفيرية، وخدان، وحدا، وورشة، والعويلة، والغافة، والأملح، و روضة الهضب و هي مراكزُ تمثّلُ محاورَ تنميةٍ وخدماتٍ تربطُ القرى بالأحياءِ الرئيسةِ.
أما الأحياءُ القديمةُ في البلدةِ، فهي بمثابةِ ذاكرةٍ عمرانيّةٍ وثقافيّةٍ حافلةٍ بالرموزِ والمشاعر، ومن أشهرها: النطوف، والسلم، والملحة، والدعيكه، والمساورة، والعثمانية، والسحامية، والحزم، وسويد، والظهيرة، والروضة، والصالحية، والسوق القديم، والثغر. تمتازُ هذه الأحياءُ بترابطِ سكّانِها ودفءِ علاقاتِهم الاجتماعيةِ، حيثُ تتعانقُ القلوبُ كما تتعانقُ النخيلُ على ضفافِ الأودية.
إنّ رُنيّة اليوم تُمثّلُ لوحةً تجمعُ بين الماضي العريقِ والحاضرِ الزاهر، تَستمدُّ جمالَها من طبيعتِها البكرِ وتاريخِها المجيد، فتغدو كعروسٍ تتزيّنُ بوشاحِ الرملِ الذهبيّ، وتزدانُ بقلائدِ الخُضرةِ التي تُغذّيها العيونُ الجارية. هي بلدةٌ تنبضُ بالحياةِ كما تنبضُ الأرضُ بالماءِ، وتلتمعُ في الذاكرةِ كما يلمعُ البدرُ في ليلِ الصحراءِ الهادئ، تجمعُ بين الأصالةِ والحداثةِ في تناغمٍ بديعٍ يُجسّدُ روحَ الإنسانِ العربيّ واعتزازهُ بأرضِه وتاريخِه














