في الفترة الأخيرة أرى أن الناس لم يعد يهتمون بأحوال بعضهم البعض ولا لظروفهم. هنا أتحدث عن حالات الإصابات الخطرة من الحوادث أو الحالات الحرجة التي هي بين الحياة والموت وحالات الوفاة على وجه الخصوص. وإلا كيف يغيب الإحساس بالآخرين في عصرنا الحالي؟ لا أدري هل هو تبلد الإحساس عندنا أم اعتدنا على مثل هذه الأشياء، فأصبحت الأمور لدينا سيان، لا يهم من يعيش ولا من يموت.
ففي زمن لم يعد فيه الجار يعرف قدر جاره ولا القريب يهتم لقريبه، أصبحنا نشهد ظاهرة غريبة ومؤلمة على حد سواء. لقد تحوّل مجتمعنا إلى مجموعة من الأفراد يعيشون في جزر منعزلة، قاسية قلوبهم لا تلين، وكأنهم بعيدون عن أقدار الدنيا، وطواحين الليالي تتلاشى من قلوبهم معاني التراحم والتآزر والتكاتف أمام تلك المصائب التي تحل على من حولهم.
تتجلى هذه الظاهرة بشكل صارخ في المواقف التي تتطلب منا الوقوف معًا، مثالاً لحالات الوفاة. ففي السابق كانت حالة الوفاة تعتبر مصابًا جللًا يجمع القبيلة وكل من حوله من الأقارب والجيران. كان الجميع يتكاتف ويقدم واجب العزاء والمواساة، والوقوف جنبًا إلى جنب، ويعبّر عن حزنه الصادق بترك مشاغله ومصالحه احترامًا لمشاعر أهل المصاب. لكن اليوم نرى تصرفات تبعث على الحيرة والألم، فبينما يشيّع الأقارب جنازتهم، تنبعث بالقرب منهم بل من جوارهم أصوات الشيلات والعرضات والغناء، وكأن المصاب ليس مصابًا عليهم، وكأن الموت لم يعد له تلك الهيبة التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يقف لها أثناء مرورها من أمامه.
إن هذه التصرفات لا تتنافى فقط مع الأعراف والتقاليد وما يتطلبه منا الوفاء والشيمة والموقف، بل هي أيضًا مخالفة صريحة لتعاليم ديننا الحنيف. فكلنا نعلم الحديث المشهور: “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث النبوي الشريف ليس مجرد كلام يقال وكفى، بل هو منهج حياة المسلم الحق يجسد معنى الأخوة الحقيقية والتكاتف والتراحم فيما بيننا. فكيف لنا أن ندّعي أننا نؤمن بهذا الحديث بينما نتجاهل مصاب أخينا ونستبدل المواساة بالاحتفالات والدعاء بالرقص والغناء والشيلات؟
إن إقامة الحفلات أمر مشروع في أوقات الفرح ولا أمنعه، ولكن من الأولى تأجيلها إن أمكن أو الاكتفاء بالحد الأدنى منها مراعاة لمن هم منا ونحن منهم، إننا بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب أولوياتنا وأن نضع اعتبارًا للمشاعر الإنسانية مع الآخرين.
فلا يمكن أن نجتمع في مكانٍ واحد وننتمي لقبيلة واحدة أو نكون متجاورين في حي واحد، والبعض لا يفصله عن جاره سوى بضع مترات، ثم يرقص أحدنا ويغني بينما الآخر يبكي ويئنّ من شدة الفراق والألم والحزن والكمد. لقد آن الأوان لكي نستيقظ من غفلتنا هذه ونستعيد إنسانيتنا التي كادت أن تضيع. علينا أن نعيد للموت هيبته وأن نقدّر مشاعر من فقدوا أحباءهم وأن نؤمن بأن مجتمعنا لن ينهض إلا بتراحم أفراده وتكاتفهم في السراء والضراء.
فهل سنعيد إلى قلوبنا الإحساس بالآخر أم سنترك هذه الظاهرة تتفاقم حتى نصبح في يومٍ من الأيام مجرد أشباحٍ بلا أرواح؟ إنه من خلال هذا المقال أرجو من شيوخ القبائل والعرفاء وأهل الحل والعقد والمشورة والرأي والعقلاء والمثقفين والأدباء والشعراء والإعلاميين وأهل المنابر أن يأخذوا على أيدي هؤلاء بتوجيههم وتذكيرهم بأن هذا المصاب الجلل سيكون يومًا طارقًا لبابك لتشرب من نفس الكأس التي سقيت بها غيرك، فالأيام دول والأقدار لا ترحم.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














