/
/
الاقتصاد مخ السياسة

الاقتصاد مخ السياسة

Picture of صلاح الطاهري 

صلاح الطاهري 

 

في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتشابك فيه المصالح، لم يعد كافياً أن تمتلك الدول موارد طبيعية أو موقعاً جغرافياً مميزاً لتصنع لنفسها مكانة مرموقة. فالمعادلات الجديدة للعالم تقول بوضوح من يملك الإقتصاد يملك السياسة، ومن لا يملك قوة إقتصادية صلبة يظل صوته السياسي ضعيفاً مهما علا.

ولعل المنطقة العربية خير شاهد على هذه الحقيقة دول غنية بالثروات لكن عاجزة عن توظيفها سياسياً، وأخرى قوية النفوذ لكن إقتصاداتها هشة، فتتآكل مكانتها مع مرور الزمن. فى خضم هذا المشهد المزدحم بالإختلالات، برزت المملكة العربية السعودية بتجربة مختلفة، تُعيد رسم العلاقة بين الإقتصاد والسياسة، وتقدم نموذجاً منفرداً فى الجمع بينهما.

هنا تبدأ الحكاية فى عالم مضطرب، حيث تنهار إقتصادات وتترنح سياسات، تبرز المملكة العربية السعودية اليوم بوصفها حالة إستثنائية، تعيد تعريف العلاقة بين الاقتصاد والسياسة. فبينما تعيش المنطقة على إيقاع الصراعات والإنقسامات، تبني الرياض معادلتها الخاصة إقتصاد يقود السياسة، وسياسة تستثمر الإقتصاد. واللافت أن السعودية لم تعد تراهن على النفط وحده، بل على تحويل الإقتصاد إلى منصة سياسية تعزز مكانتها الإقليمية والدولية. ومن يراقب مسار رؤية 2030 يدرك أنها لم تُصمم لتكون خطة إقتصادية فقط، بل مشروعاً سياسياً فى جوهره، إذ من خلالها تسعى المملكة لإعادة التموضع فى النظام العالمي، لا كدولة تابعة لتقلبات السوق، بل كصانع لإتجاهاته.

 

اعلان

هذا التداخل بين الإقتصاد والسياسة يطرح تساؤلات جوهرية هل يمكن لأي سياسة أن تكون ناجحة دون قاعدة اقتصادية متينة؟ وهل يمكن لأي إقتصاد أن يزدهر دون سياسة مستقرة وواضحة؟ السعودية تقدم اليوم الإجابة العملية

لقد حولت إقتصادها إلى “المخ” الذي يغذي قرارها السياسي، وإلى السلاح الناعم الذي يجعل صوتها مسموعاً على موائد القوى الكبرى. ومن يقرأ السياسة السعودية فى السنوات الأخيرة، يرى بوضوح أنها صارت أكثر إستقلالية وثقة. لم تعد الرياض مجرد مستهلك لقرارات الآخرين، بل أصبحت صانعة للموازين، سواء في “أوبك” حين تفرض معادلة الطاقة العالمية، أو فى الملفات الإقليمية حين تختار الحوار فى وقت يتعطش فيه العالم إلى الإستقرار. هنا يتجلى الإقتصاد ليس كأرقام ومشاريع فقط، بل كذراع سياسية تمنح البلاد هامشاً أوسع من المناورة.

 

ومع ذلك، يظل النقد المشروع حاضراً إلى أي مدى ستتمكن السعودية من تعزيز ذلك والحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين الإقتصاد والسياسة؟ فالتجارب التاريخية تقول إن أي خلل فى أحدهما قد ينعكس مباشرة على الآخر. ولعل التحدي الأكبر أمام الرياض يكمن فى مدى قدرتها على تحصين مشروعها الإقتصادي من تقلبات السياسة الدولية، وكذلك حماية سياستها من الضغوط الإقتصادية العالمية. ومع ذلك، يبقى النموذج السعودي مثيراً للإعجاب، لأنه يذكّرنا بأن السياسة ليست مجرد خطابات، وأن الإقتصاد ليس مجرد أرقام؛ كلاهما وجهان لعملة واحدة. المملكة أدركت هذه الحقيقة مبكراً ونجحت فى أن تجعل من إقتصادها عقلاً مدبراً لسياساتها، ومن سياساتها مظلة حامية لإقتصادها.

 

إن ما تصنعه السعودية اليوم ليس مجرد مشاريع تنموية أو مواقف سياسية عابرة، بل هو ملحمة وطنية عربية حديثة تُكتب فصولها على أرضها وتنعكس أصداؤها في الإقليم والعالم. لقد إختارت أن تبني قوتها من الداخل، وأن تجعل من إقتصادها ركيزةً لقرارها السيادي، ومن سياستها درعاً يحمي مكتسباتها ويُعزز حضورها. وفى زمنٍ ينهار فيه الضعفاء أمام العواصف، تقف المملكة شامخةً، لتقول إن الإرادة الوطنية حين تتسلح برؤية إقتصادية، وحكمة سياسية، تصبح قادرة على صناعة التاريخ لا التكيف معه. وهكذا تُثبت السعودية أن المستقبل لا يُمنح لأحد، بل يُنتزع بالعمل، والإصرار، والإيمان بالوطن.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى