في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع السعودي، وبالتزامن مع تطور أدوات الاتصال والانفتاح الإعلامي، برزت إلى السطح ظاهرة مقلقة تُعرف بالهياط الاجتماعي، وهي ممارسات استعراضية تتخذ أشكالًا متعددة، تبدأ من البذخ في المناسبات الخاصة، ولا تنتهي عند حدود المبالغة في تكريم الأفراد لأسباب غير مبررة. هذه الظاهرة تتغذى على تغليب المظاهر على الجوهر، والتنافس على التفاخر المادي والقبلي عبر منصات الإعلام الجديد.
تتجلى مظاهر الهياط بوضوح في بعض المناسبات التي يتم فيها صرف مبالغ طائلة على حفلات وولائم وهدايا تفوق المنطق والعرف، وتتم تغطيتها ونشرها بشكل مباشر أو مسجّل عبر تطبيقات مثل “سناب شات”، مما يجعلها في متناول الجمهور ويمنحها طابعًا من الشرعية الجماهيرية. ومن المثير للقلق أن هذه الممارسات لم تعد محصورة في دائرة ضيقة، بل بدأت تنتشر وتجد من يبررها بل ويموّلها، خاصة عندما ترتبط بعناصر من الإثارة القبلية أو الشعرية.
ومن الأمثلة الصارخة على هذا الانزلاق، تلك المناسبات التي يُكرّم فيها شاعر لمجرد أنه أثار النَّعَرات القبلية بقصائد تستثير العاطفة وتُهيّج العصبيات، دون مراعاة لتأثير ذلك على السلم الاجتماعي. هذا النوع من التكريم لا يُشجّع على الإبداع بقدر ما يُغذّي اتجاهات مقلقة نحو تزييف الوعي، حيث تصبح الشهرة نتيجة للضجيج لا للتميّز، وتُقاس قيمة الإنسان بما يُنفق عليه لا بما يُضيفه للمجتمع من فكر أو عطاء.
ومما زاد المشهد تعقيدًا، بروز ما يُسمّى بـ”المستشيخين”، وهم أفراد لا يملكون أية صفة شرعية أو اجتماعية تؤهلهم لتحمّل مسؤولية القيادة القبلية أو التمثيل المجتمعي، لكنهم يسعون إلى بناء صورة زائفة عن أنفسهم، مدعومين من فئة ساذجة من الجمهور، تحرّكها العاطفة لا العقل، وتنجرف خلف مظاهر إعلامية براقة تفتقر إلى الأصالة. هؤلاء الأفراد يستغلّون أدوات الإعلام الجديد للوصول السريع، ويظهرون في المناسبات العامة وكأنهم أصحاب شأن، بينما هم في الواقع يسهمون في زعزعة التوازن الاجتماعي، وتمييع صورة “الشيخ” الحقيقية التي تقوم على الحكمة والرشد والاتزان.
هذه الممارسات، وإن بدت في ظاهرها ترفيهية أو احتفالية، إلا أنها تمسّ العمق الثقافي للمجتمع السعودي، وتُسيء إلى سمعته بين المجتمعات، حين يتحوّل التكريم إلى صفقة إعلامية، والمشيخة إلى منصب افتراضي. والأسوأ من ذلك، أنها تُقدَّم أحيانًا باسم العادات والتقاليد، ما يمنحها غطاءً زائفًا لا يستند إلى الحقيقة ولا يعكس القيم السعودية الأصيلة.
ومع تصاعد هذه الظواهر، يبرز دور الرموز القبلية الحقيقية، من مشايخ وأعيان، في التصدّي لها من منطلق وطني ومسؤول، لا لمصادرة الحريات أو تقليص التقدير الاجتماعي، بل لحماية المجتمع من الانزلاق نحو الانقسام والسطحية والانشغال بالمظاهر الفارغة.
ختامًا، فإن ظاهرة الهياط الاجتماعي، بما تحمله من استعراض مبالغ فيه وتضخيم للأشخاص غير المؤهلين، تمثل تحديًا حقيقيًا يجب التنبه له. فهي لا تهدد فقط صورة الفرد، بل تعبث بهوية المجتمع وقيمه وتقاليده الراسخة، وتُضعف من هيبة المرجعيات الاجتماعية والثقافية الراسخة في تاريخ هذا الوطن.














