/
/
شَبَاةُ القلم

شَبَاةُ القلم

Picture of سالم صعيكر البلوي

سالم صعيكر البلوي

 

أريد أن أمضيَ في الكتابةِ إلى الحدِّ الذي أجدُ نفسي فيه قريباً من الطبيعةِ التي أتحدَّثُ بها مع النَّاسِ، هكذا بمرونة اللباقة ولياقة الانطلاق نحو التعبيرِ عمَّا يختلِجُ في نفسي، دون أن ينتابَني ذاك الشعورُ المُمِضُّ الذي يكتم الأنفاسَ، ويُثْقِلُ رواحلَ المُتحدِّثِ وإن شِئتَ هنا الكاتب.

 

إنَّ حُبْسة الكتابة أمرٌ لا محيصَ عنه، ولكن نُقَدِّرُ لهذه الحُبْسة عملَها في كَسْرِ شَبَاةِ القلم، إذا كان المُنشيءُ قد قدَّم إنتاجاً يشفعُ له إنْ أصابتْه هذه الحُبْسةُ أمَّا وهو لمَّا يزلْ في مدارج التَّرَقي في مسالك الكتابة فليس هو المعنيُّ بالأمر في انطباق فكرة الحُبْسة عليه بل له أن يُصارعَها ما أستطاعَ إلى ذلك سبيلاً. إنَّ الدخول في لعبة الكتابة سهلٌ ولكنّ البقاءَ فيها هو الذي عليه المُعوَّل، إنْ كان ثَمَّتَ بقاءٌ، ولا بقاءَ في أذهانِ الناس، المهم في الأمر كُلِّه أن تنفُثَ ما في صدرك لعلَّه يجدُ موئلاً يأوي إليه، أو قَرَارَةً أو مُستَقرًّا يرتمي في أفياءِه لِيُصَحِّحَ المسار في حياة إنسان أو يبثَّ الأملَ في نفس مُدْنَفٍ قد أشفى على الهلاك.

 

اعلان

يا معشرَ القُرَّاء الكرام البررة، كيف وقد أحاطتْ بكم جحافلُ الحملةِ من حملة الأقلام؟ يحملون إليكم من كلِّ لونٍ وشكلٍ من أشكالِ الكتابةِ وأنتم ليس أمامكم إلّا التحلِّي بالصبر والتمييز بين ما أنضَجتْه الرَّوِيَّةُ، وما أتتْ به البديهة، لتأخذوا ما صحَّ منهما، وما أثمر وأينع، وليت الأمر على ما قاله إبراهيمُ بنُ العباس الصولي وهو من أدباء الكُتَّاب:

 

يقضي الأمورَ على بديهتِه

وتريه فكرتَه عواقبُهُ

 

فيظلُّ يُورِدُها ويُصْدِرُها

فلنِعم حاضرُه وغائبُه

 

فالشعراءُ مَدَّاحون وطريقتُهم هي طريقتهم عبر الأزمان والعصور، تتجلَّى فيها شراهة الأُعطيات وطراوة الكلمات وجِدَّةُ المعاني، وإن كنتُ قد خرجتُ بك عن مسار المقال الذي اختططتُه، بيد أنَّك واجدٌ معنًى ينتظم المعنيانِ فَسِرْ في طريقِك أو كما قال الشاعر الألماني جوته: “كن رجلاً ولا تتبعُني”.

 

الوضوحُ في الكتابةِ والوصولُ إلى ما يعتملُ في أذهانِ الناس، إنَّما هو المُراد والمُبتغى الذي يجبُ أن يصِلَ إلى القارئ.

وأنقلُ هنا كلاماً قرأتُه في كتاب (سوانح القراءة ) “يقول الكاتب بول جونسون عن الفيلسوف والروائي الفرنسي جان بول سارتر: “كان شعارُ سارتر “لا يجبُ أن يمُرَّ يومٌ من دونِ كتابه”. وكان ذلك عهداً حافظَ عليه. كان يستطيعُ أن يكتبَ ما لا يقل عن عشرة آلاف كلمة في اليوم، كان معظمُها هزيلاً أو طنَّاناً أو يخلو من مضمون واضح، كان سارتر يُفضِّلُ أن يكتُبَ كلاماً فارغاً عن عدم الكتابة بالمرة. كان يعترفُ أنَّ الكلماتِ هي كل حياته: “لقد استثمرتُ كُلَّ شيءٍ في الأدب… الكتابة هي عادتي مثلما هي مهنتي”.

 

هي عادة سارتر الكتابة على كُلِّ حال، ارتباطٌ بالكلمة لا انفكاك عنه والتصاقٌ بالمكتوب، وقد قرأتُ مرة أنَّ أديباً عربياً شابّاً قابل سارتر وافتخر أمامه بأنَّه يقرأُ ستَّ ساعاتٍ في اليوم وهو يظُنُّ أنَّه قد حَازَ المجدَ الأدبيَّ في كثرة مقرؤاتهِ، فردَّ عليه سارتر كلاماً معناه بأنَّ الواجب عليك أن تقرأ ثمانَ عشرة ساعة في اليوم.

 

وكما قال أبو الطيب المتنبي:

وَما كُنتُ مِمَّن يَدخُلُ العِشقُ قَلبَهُ

وَلَكِنَّ مَن يُبصِرْ جُفونَكِ يَعشَقِ

 

ما سارتر وقومُه برادِّي عن سبيلي، وعن تراثي، ولكنَّ عشق المِداد وارتياد تلك المساحات يجمعُنا بمن نعشق على ما أسلف الحكيم وأقام على ذلك الدليل وهو خفقان القلب بغير إرادةٍ من المُبْصِر.

 

سالم صعيكر البلوي

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى