/
/
أوهام تضلل المديرين في عالم الأعمال!!

أوهام تضلل المديرين في عالم الأعمال!!

Picture of بقلم _ زيد بن محمد الرماني

بقلم _ زيد بن محمد الرماني

أ . د / ــــ المستشار الاقتصادي
وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

يتمحور كتاب فيل روزنتسفيغ (تأثير الهالة أوهام تضلل المديرين في عالم الأعمال ) حول الأعمال التجارية والإدارة، والنجاح والفشل، والعلم وسرد القصص. القصد منه مساعدة المديرين على التفكير بأنفسهم، بدلا من الإصغاء إلى موكب حاشد من خبراء ومستشاري الإدارة والمديرين التنفيذيين المشهورين، حيث يزعم كل منهم ابتكار طرق جديدة وإبداع أفكار سديدة. لنفكر بالكتاب كدليل يرشد المدير المفكر المتأمل لفصل الثمين عن الغث.
بالنسبة لأولئك الذين يريدون كتابا يقدم وعدا بكشف سر النجاح المكنون، أو صيغة للهيمنة على السوق، أو الدرجات السبع لاعتلاء القمة، هنالك بالطبع وفرة من الكتب التي يمكن الاختيار منها. ففي كل سنة، تزعم عشرات من الكتب الجديدة كشف أسرار الشركات الرائدة، بدءا بجنرال إلكتريك، مرورا بتويوتا، وانتهاء بغوغل. تعلم أسرارها وطبقها على شركتك!
وهنالك كتب أخرى تروي نبذة عن حياة القادة الذين حققوا نجاحا باهرا في قطاع الأعمال التجارية، مثل مايكل ديل، أو جاك ولش، أو ستيف جوبز، أو ريتشارد برانسون. اكتشفْ ما الذي جعلهم عظماء، واحدُ حذوهم! وغيرها يدلك كيف تصبح شخصا مبتكرا مبدعا مفعما بالطاقة والنشاط، أو كيف تصمم استراتيجية مضادة للفشل، أو تبتكر مؤسسة لا حدود لها، أو تجعل المنافسة لا جدوى منها وغير ذات صلة. هاك الطريقة التي تقهر بها منافسيك!
يقول فيل : في الحقيقة، وعلى الرغم من جميع الأسرار والصيغ، والقيادة المزعومة ذاتيا، يظل النجاح في الأعمال التجارية مراوغا كعهده دائما. ومن المرجح أنه أصبح أشد مراوغة عن ذي قبل، وذلك مع المنافسة العالمية المتزايدة والتغيرات التقنية المتسارعة بمعدلات مطردة؛ الأمر الذي قد يفسر سبب خضوعنا لإغراء الوعود بتحقيق الاختراقات والإنجازات، وكشف الأسرار ، وتقديم حلول سريعة في المقام الأول. إن الظروف اليائسة تدفعنا للبحث عن علاجات سحرية.

إن المديرين أشخاص يستغرقهم عملهم، ويتعرضون لضغط هائل من أجل زيادة العائدات، ومضاعفة الأرباح، ورفع حتى عائدات المساهمين. من الطبيعي أن يبحثوا عن أجوبة جاهزة، وعن حلول سريعة ناجعة يمكن أن تعطيهم قصب السبق على منافسيهم. أما مؤلفو كتب التجارة والأعمال – المستشارون، وأساتذة كليات الأعمال، والمعلمون والمرشدون من خبراء الاستراتيجية – فيسعدهم أن يكونوا في الخدمة. الطلب يحفز العرض، والعرض يجد طلبا جاهزا، والحلقة المفرغة مستمرة.
ولذا يقول فيل إن : الفكرة المركزية في كتابي تؤكد على أن تفكيرنا بالأعمال (التجارية) تشكل بواسطة عدد من الأوهام الخدّاعة. هنالك سوابق مفيدة لاستقصاء وتحري الأوهام في قطاع الأعمال والاقتصاد. لذا, قام العلماء المتخصصون بعلم النفس المعرفي بتحديد الأحكام المسبقة والمتحيزة التي تؤثر في الطريقة التي يصنع عبرها الأفراد قراراتهم في حالة من عدم اليقين.
ثم يقول : يتناول كتابي هذا مجموعة مختلفة من الأوهام، تلك التي تشوه فهمنا لأداء الشركات، وتجعل من الصعب علينا معرفة لماذا نجحت هذه وفشلت تلك. هذه الأخطاء في التفكير تنتشر في معظم ما نقرأه عن الأعمال، في المجلات الرائدة، أو المجلات العلمية المتخصصة، أو كتب الإدارة الرائجة التي تحقق أعلى المبيعات. إنها تعرقل قدرتنا على التفكير بشكل واضح ونقدي حول طبيعة النجاح في عالم الأعمال.
في الحقيقة، إن بعض كتب الأعمال التجارية (البيزنس) التي ذاعت وحققت أعلى المبيعات في السنوات الأخيرة، تحوي أوهاما بالجملة (لا بالمفرق!). فعلى الرغم من جميع مزاعمها بالالتزام بالدقة العلمية، ووصفها المطول للبحوث الموثوقة التي أجرتها بكل عناية، إلا أنها تشتغل عموما على مستوى السرد الروائي. فتقدم حكايات ملهمة نجد فيها الارتياح والرضى، لكنها مؤسسة على ركيزة فكرية مزعزعة وآيلة للسقوط. مجرد أوهام خداعة.
أخيرا يقول فيل : آمل أن يحفز كتابي هذا نقاشا مفيدا، ويرفع سوية التفكير بالأعمال التجارية. المهم ليس جعل المديرين أشد ذكاء وأكثر حذقا، فعالم الأعمال متخم بالأذكياء؛ المتميزين بسرعة البديهة، والضليعين بمفاهيم الإدارة السائدة حاليا. لكن هناك ندرة في المديرين المتميزين بالحكمة والبصيرة – أي بالقدرة على التمييز الحصيف، والتفكير العميق، ومعرفة الصواب من الخطأ. أرغب في أن يساعد الكتاب المديرين ليصبحوا أكثر حكمة، وأكثر حصافة، وأكثر تمتعا بالحس النقدي المتسائل، وأقل عرضة لأخطار الصيغ التبسيطية وعلاجات الحلول السريعة.

ويؤكد فيل القول على أن : معظم كتب الإدارة تطرح سؤالا أساسيا: ما الذي يؤدي إلى المستوى الرفيع من الأداء؟ يبدأ كتابي هذا بالإجابة عن سؤال مختلف: لماذا يصعب فهم المستوى الرفيع من الأداء إلى هذه الدرجة؟ أما هدفي فهو كشف المستور كله وطرح الأسئلة التي لا نثيرها غالبا، والإشارة إلى بعض الأوهام التي تمنعنا من الرؤية الواضحة. معظم فصول الكتاب، من الأول وحتى الثامن، تبيّن لماذا يخطئ الخبراء؛ من معلمين، ومرشدين، ومستشارين، وأساتذة جامعات، وصحفيين. كما تفضح الأوهام التي تحاصرنا، في الصحافة المتخصصة بالأعمال، والأبحاث الأكاديمية، والكتب التي احتلت قمة لائحة المبيعات مؤخرا. لكن ذلك لا يوصلنا إلا إلى هذا الحدّ. فماذا بعد أن نبدد الأوهام التي تنتشر في التفكير الشعبي الشائع حول عالم الأعمال؟ الخطوة الثانية التي ينبغي على المدير الحصيف اتخاذها هي التركيز على العوامل التي تدفع وتحفز أداء الشركة مع إدراك الحالة الجوهرية من عدم اليقين التي تكمن في صميم عالم الأعمال. أما الفصلان التاسع والعاشر فيتناولان هذه الأسئلة، مع اقتراح كيف يمكن للمديرين أن يستبدلوا الأوهام بطريقة أكثر حصافة وحكمة لفهم أداء الشركة، طريقة تحترم الاحتمالات. لحسن الحظ، في المشهد اليوم هناك مديرون يمثلون نماذج تحتذى، والفصل الأخير يعرض بضعة توصيفات وجيزة لشخصيات يمكن أن تمثل نماذج لنا.
ختاما إليك أخي القارئ بعض الأوهام التي في عالم الأعمال :
الوهم الأول: تأثير الهالة أي النزعة إلى معاينة الأداء الإجمالي للشركة واستخلاص استنتاجات حول ثقافتها، وقيادتها، وقيمها.
الوهم الثاني: وهم العلاقة التبادلية والسببية فقد تجمع عاملين علاقة تبادلية، لكننا لا نعرف أيهما السبب وأيهما المسبب. فهل يؤدي رضا الموظف – مثلا – إلى مستوى مرتفع من الأداء؟
الوهم الثالث: وهم التفسيرات الأحادية حيث تظهر العديد من الدراسات أن عاملا محددا – ثقافة قوية تسود الشركة، أو تركيز على الزبون، أو قيادة رشيدة – يؤدي إلى تحسين الأداء.
الوهم الرابع: وهم وصل النقاط الرابحة فإذا اصطفينا عددا من الشركات الناجحة، وبحثنا عن القواسم المشتركة بينها، لن نتمكن أبدا من عزل ومعرفة الأسباب المؤدية إلى نجاحها.
الوهم الخامس: وهم الأداء المطلق فأداء الشركات نسبي، لا مطلق. فالشركة يمكن أن تدخل التحسينات على أدائها وتتخلف عن ركب منافسيها في أن معا.
الوهم السادس: وهم النجاح الدائم إن جميع الشركات المتميزة بمستوى مرتفع من الأداء تنكص وتتراجع بمرور السنين.

اعلان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى