شهدت المجتمعات الخليجية تغيرات جذرية خلال العقدين الأخيرين، حيث لم تكن في أسلافنا وليست مجرد تغييرات عابرة، بل أصبحت نمط حياة جديدة على الجميع إلا القليل مما سيغير المجتمع رأساً على عقب، وكذلك نظرته للكثير من عاداتنا وتقاليدنا في الأكل والضيافة. فقبل عقدين من الزمان، كان الطبخ في المنزل هو القاعدة العامة لدى الأسر السعودية والخليجية، فكانت رائحة الطعام المنزلي تملأ البيوت، وكانت الأمهات يفتخرن بمهارتهن في إعداد الأطباق الشهية. أما اليوم، فقد تحول المشهد تمامًا، فأصبح الأكل في المطاعم أو عبر طلب الوجبات الجاهزة هو الخيار الأول للكثير من العائلات، فلم يعد الطبخ مهمة يومية، بل أصبح يُنظر إليه على أنه مجهود إضافي أثقل كاهل المرأة. من أسباب هذا التحول والتغيير دخول المرأة في سباق سوق العمل، فلم يعد لديهن الوقت المتاح للطبخ، وسهولة انتشار تطبيقات توصيل الطعام مما جعل الحصول على وجبة الطعام أسهل من أي وقت مضى. كذلك، إحساسهن بأن الطبخ عملاً روتينيًا مملاً، فاليوم نرى الكثير من النساء، خصوصًا الشابات، لم يعدن يُجيدن الطبخ، بل وقد يعتبرنه عبئًا ثقيلاً مما يجعلهن يتأففن من فكرة استقبال الضيوف والزوار، لأن ذلك يستدعي بذل جهد كبير في التحضير والطبخ. وقد غزاهن حب المظاهر والعيش فوق الإمكانيات الحقيقية، وإظهار ذلك للناس وهم يعيشون خلافه تمامًا. أيضًا، تغاضي الرجال أو لعلنا نقول ضعف سيطرتهم. فكان التحول الاجتماعي الأبرز هو سيطرة ثقافة المظاهر على سلوكيات الأفراد، فأصبح تقييم الأسر يعتمد بشكل كبير على ما يظهرونه للعلن، كالإعتماد على الخدم في المنازل للقيام بكل شيء تقريبًا. أضف إلى ذلك السكن في الأحياء الراقية، وركوب السيارات الفارهة، والسفر والسياحة، والحرص على نشر حياتهم حتى الخاصة منها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإظهار حياة مثالية كاذبة، حتى لو كان ذلك على حساب الاقتراض وتحمل الديون الكثيرة.
إنني أرى أن هناك تناقضًا بين الحياة الظاهرة على سلوكيات البعض وحياتهم الواقعية، فالأغلب مثقل بالديون ومرهق بالمشاكل الاجتماعية والأسرية، لأنه يعيش في عالم مصطنع يجعله يحاول الحفاظ على صورة اجتماعية معينة تخالف واقعه وإمكانيته الحقيقية، مما يهدد ثبات واستقرار الأسرة على المدى القصير ويعرض المجتمع إلى خطورة التفكك الاجتماعي، وانتشار حالات الطلاق والقضايا بالمحاكم ولجان إصلاح ذات البين.
هذه التغيرات تضعنا أمام تحدٍ كبير لتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة العصرية والحفاظ على القيم الأصيلة التي تعطي لنا معنى حقيقياً لحياتنا وعلاقاتنا الإنسانية والرضا عن الذات بعيدًا عن وهم المظاهر التي سلبت منا حياتنا وبساطتنا، فجعلتنا أسرى لتلك المنصات مما يغذي الرغبة في التباهي الكاذب والمزيف، ويشعرنا بضغط اجتماعي رهيب لنعيش حياة زائفة لمواكبة أسلوب حياة غير حياتنا الواقعية.
بقلم: عائض الشعلاني.














