/
/
إصلاح الأمم المتحدة بين الواقع والمستحيل

إصلاح الأمم المتحدة بين الواقع والمستحيل

Author picture

تتعالى الأصوات الدولية التي تنادي بإصلاح الأمم المتحدة , حتى تكون أكثر عدالة وتمثيلا لدول العالم . ولكن تناسى هؤلاء جميعا بأن الأمم المتحدة كما هو حال سلفها عصبة اتحاد الأمم وغيرها من المنظمات الدولية الفاشلة , كلها جاءت بعد حروب عالمية طاحنة . وهي تعبر عن إرادة الدول المنتصرة (الكبرى) , وبقية الأعضاء مجرد تكملة عدد ( تفاصيل) , ودور هذه الدول الأعضاء تقرره الدول الكبرى الدائمة العضوية التي تمتلك حق النقض الفيتو , سواء كان ذلك بالترغيب أو الترهيب . أحيانا يترك لها هامش بسيط من حرية التحرك والمناورة , وهذا الدور لا يعدو عن كوته مجرد وضع فاصلة مكان نقطة أو شيء من هذا القبيل . الدول الأخرى تنضم إلى الأمم المتحدة من أجل الاعتراف بها وكسب الشرعية الدولية فقط , هذه المنظمات الدولية وبمختلف مسمياتها دائما ترفع شعار (تحقيق السلام والأمن العام) . الغريب في الأمر أن الدول الكبرى التي من المفترض أن تحافظ على الأمن والسلام العالمي ( الضامن) , هي التي دائما ما تعبث بأمن وسلامة الدول الأخرى , وتثير الحروب والقلاقل وتنتهك سيادة الدول المستقلة (عدم الاستقرار) . هناك مطالبات ببعض الإصلاحات في الأمم المتحدة , على وزن منح بعض الدول العضوية الدائمة في مجلس الأمن أو زيادة عدد الأعضاء فيه , طبعا هذه المطالبات تتم تحت بند أن يمثل مجلس الأمن جميع القارات (العدالة) . ولكن لو تأملنا في الدول المرشحة لذلك (البرازيل , جنوب إفريقيا . الهند , ألمانيا . اليابان ) , سوف نجد أن كلها تدور في الفلك الغربي (أمريكا) , وأنها تسعى من وراء العضوية الدائمة في مجلس الأمن إلى تحقيق مصالحها فقط . الدول ليست جمعيات خيرية والعالم تحكمه شريعة الغاب وليس القانون . يقول : عبدالرزاق السنهوري وهو من كبار رجال الفقه والقانون الدولي : لا يسيطر القانون إلا بين قويين أو بين ضعيفين . فإن تفاوتت القوة فالقانون هو القوة . أي إصلاحات في الأمم المتحدة لا تجرد الدول الكبرى الدائمة العضوية من حق النقض الفيتو فهي مجرد لعب عيال . وهذا أشبه بدولة ينتخب فيها الشعب أعضاء البرلمان , ثم يأتي الحاكم بأمره وبجرة قلم يصدر قرار بحله (كأنك يا أبو زيد ما غزيت) ؟! . يلاحظ بأن قائمة الدول المرشحة إلى العضوية الدائمة لمجلس الأمن تخلو من أي دولة عربية أو إسلامية . والسبب في ذلك يعود إلى أن هذا المحفل الدولي لا مكان فيه للضعفاء , أو من يستورد كل ما يحتاجه من الخارج بدءا من الإبرة إلى الطائرة , أو من يحتل دائما ذيل الأمم في كل المؤشرات العالمية (التعليم , الصحة , التنمية , حرية التعبير , ..) . بناء على المعطيات الحالية فإن إصلاح الأمم المتحدة يعد من (المستحيلات) , لأن هذه المنظمات الدولية جاءت من أجل توظيفها في ترسيخ هيمنه الدول الكبرى المنتصرة على العالم . أما السلام والأمن والاستقرار وحقوق الإنسان والمساواة والديموقراطية .. , فهي مجرد شعارات للاستهلاك العالمي يمكن أن تبحث عنها في القرية الفاضلة (عالم الخيال) ؟! . أي إصلاح للأمم المتحدة لن يأتي إلا بعد نشوب حرب عالمية ثالثة , كي تعبر من جديد عن إرادة الدول المنتصرة الفاعلة وليس المفعول بها (التدوير) . إن أكبر جريمه يمكن أن يرتكبها الإنسان بحق نفسه هو أن يكون ضعيفا .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى