/
/
ستة على ستة – ٤٤ –

ستة على ستة – ٤٤ –

Author picture

ننقل عن كتاب البداية والنهاية لأبن كثير علامة عصره ، وموثق الوقائع التاريخية ، واثبات الأحداث ، وقد اشار في كتابه الجزء الثاني صفحة ( ٢٢٢ ) خبراً عن العرب في الجاهلية وقضاتهم وعدالة اصدار أحكامهم ، هذا عامر بن الظَّرِبِ العدواني . تضرب له أبط الإبل . مسالة أشكل على العقلاء من العرب إيجاد حلها ، وتحيروا في الحكم فيها .
ومن عادة العرب في الجاهلية إذا اختلفوا يحتكمون إلى رجل يقال له “عامر بن الظَّرِبِ العدواني” ، ولا حدس العرب على شرك لا تعرف جنة ولا نار ، ولكن لديهم قيم ، ومكارم الأخلاق متمسكه بها لا يحدون عنها ، ولا تقبل المساومة باعتبارها مبادئ يؤمنوا بها لا يحد أحدهم عنها . تذهب الرواية التي أوردها ابن كثير . ان وفداً وفد إليه من إحدى القبائل فقالوا له : يا عامر وجد بيننا شخص له آلتان آلة للذكر وآلة للأنثى ، ونريد أن نُوَرِّثَهُ، فهل نحكم له على أنه أنثى ‏أم نحكم له على أنه ذكر ؟! احتار في قولهم .
فمكث عامر بن الظَّرِبِ أربعين يوماً لا يدري ما يصنع لهم !! ومتحير إجابتهم فيما أوردوه من قول عن ذلك الشخص ، وكانت له جارية ترعى له الغنم يقال لها : ” سُخَيلة ” ، فقالت له في اليوم الأربعين : يا عامر قد أكل الضيوف غنمك؛ ولم يبق لك إلاّ اليسير أخبرني .
فقال لها مالك: انصرفي لرعي الغنم . فأصرّت عليه ، فلما أصرّت عليه أخبرها بالمسألة ، وقال لها : ما نزل بي مثلها من نازلة .
فقالت له الجارية : يا عامر أين أنت من ذالك ؟! أتبع المال المَبَاَل !!
أي : إن كان هذا الشخص يبول من آلة الذكر فأحكم له ميراث ذكر، وإن كان يبول من آلة الأنثى فأحكم له ميراث أنثى .
فقال لها : فرّجْتِهَا عنّي يا سُخَيْلَة .. فأخبَر القوم .
قال الإمام الأوزاعي يرحمه الله معقباًً على هذه الواقعة :
” هذا رجل مشرك لا يرجو جنةً ولا يخاف ناراً، ولا يعبد الله، يتوقف في مسألة أربعين يوماً حتى يُفتي فيها،  فكيف بمن يرجو الجنة ، ويخاف النار، كيف ينبغي له أن يتحرى إذا ‏صُدِر للإفتاء وإذا سئل أمراً عن الله جل وعلا ” .
ياسادة رجل من العرب في عصر الجاهلية مشرك يتوقف أربعين يوماً عن الفتوى ، ويطعم قاصديه ، ويسقيهم ، ويأويهم هذه المدة بحسن الرفادة لم يتعجل بالفتوى بل تريث طوال هذه المدة ، وقد تزيد لولا جاريته .
وفي العصر الراهن يتعجل البعض على الفتوى ، ويتقدم صغار السن بالفتوى والحكم دون تحري ، وتدقيق أبعاد المسالة ، ومناطها بالصورة المطلوبة ، وكثيراً ما تظهر معايب هذا التعجل أو التسرع في الحكم أو الفتوى ولو بعد حين .
فأين لنا بمثل عامر أبن الظرب ؟ في عصر تتدافع فيه المسائل الشائكة ، وتتنامى وتتشابه بأبعادها الحدية والحقيقية والكلية ومخفسانيتها النخامية وخرفاشيتها . تتردد بين طرفي ليس أحدهما أظهر يلتبس فيها النظر ، وينعدم فيها شبختانية الحل . هذا العالم البحر الفقيه الأوزاعي إمام الجبل ” بعلبك/لبنان ” يتخوف من التسرع في الحكم أو الفتوى دون تحري الدقة ، وتروي الدراية ، وبعد النظر ، وحسن التصرف . ما أجمل التروي في الفتوى أو الحكم والتريث فيهما من أجل سلامتهما .

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى