ما تعرضت له المنطقة الجنوبية من المملكة العربية السعودية صباح الثلاثاء، الثامن من سبتمبر 2026، ليس مجرد حادث أمني عابر، ولا اعتداء يمكن اختزاله في خبر عاجل يمر على الشاشات ثم تطويه الأحداث. نحن أمام استهداف طال أعياناً مدنية واقتصادية ومنشآت ومرافق للطاقة، ووصل أثره إلى أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفر عن إصابة ثلاثة وسبعين مدنياً، بينهم نساء وأطفال. وهذه وحدها حقيقة كافية لأن تضع ما جرى في إطاره الصحيح: اعتداء على أرض دولة ذات سيادة، وعلى أمن شعبها ومقدراتها الوطنية.
لقد حاول الحوثي من خلال هذا التصعيد أن يبعث برسالة قوة، لكنه في الحقيقة كشف مرة أخرى طبيعة النهج الذي اختاره لنفسه؛ نهج يرى في المدن والمنشآت المدنية والاقتصادية أدوات للضغط، وفي حياة الأبرياء وسيلة لرفع مستوى المواجهة. وحين تمتد الاعتداءات إلى مرافق الطاقة وتتسبب في حرائق وتوقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، فإننا لا نتحدث فقط عن منشأة أصابها ضرر، بل عن محاولة للمساس بأحد شرايين الاقتصاد الوطني، وبقطاع تمثل المملكة من خلاله ثقلاً أساسياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
لكن هناك حقيقة ربما أخطأ الحوثي في قراءتها، وهي أن المملكة العربية السعودية التي سعت إلى السلام، ودعمت جهود التهدئة، ومنحت السياسة فرصتها، ليست دولة يمكن اختبار سيادتها أو العبث بأمنها دون حساب.
فالسعودية لا تحتاج إلى الصراخ حتى تثبت قوتها، ولا إلى الشعارات حتى تؤكد قدرتها على الدفاع عن نفسها. قوتها تتحدث عنها دولة بنت خلال عقود منظومة سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية متماسكة، واستطاعت وسط منطقة عاصفة بالأزمات أن تحافظ على استقرارها، وتحمي مكتسباتها، وتواصل مشروعها التنموي، وتبني اقتصاداً يتطلع إلى المستقبل.
ولهذا جاءت لغة المملكة بعد الاعتداء واضحة لا تحتمل التأويل.
المملكة أدانت واستنكرت بأشد العبارات استهداف الأعيان المدنية والاقتصادية، وأكدت حقها المشروع في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها الوطنية والحفاظ على أمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وشددت على أنها لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها.
أما تحالف دعم الشرعية، فقد ذهب إلى جوهر المسألة حين أكد اتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع التهديد، ومواجهة النهج العدائي بكل حزم، والرد على مصادر الخطر وتحييدها.
وهنا ينبغي التوقف طويلاً.
فالمملكة لا تتحدث عن رغبة في التصعيد من أجل التصعيد، وإنما عن حق أصيل لأي دولة في حماية حدودها ومدنها وشعبها ومصالحها الحيوية. وهناك فارق كبير بين دولة تمارس القوة بمسؤولية، وبين جماعة مسلحة تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف المدن والأعيان المدنية والاقتصادية.
السعودية حين تضبط النفس تفعل ذلك من موقع الدولة المسؤولة، وحين تمنح الدبلوماسية فرصة تفعل ذلك لأنها تعرف قيمة السلام، وحين تدعم الحل السياسي في اليمن فإنها تفعل ذلك انطلاقاً من إدراكها أن استقرار اليمن جزء من استقرار المنطقة.
لكن ضبط النفس ليس ضعفاً.
والرغبة في السلام ليست عجزاً.
والحكمة لا تعني السماح لأي طرف بأن يجعل من الأراضي السعودية ميداناً مفتوحاً لاختبار قدراته العسكرية.
هذه هي المعادلة التي ينبغي أن يفهمها الحوثي جيداً.
فأمن المملكة ليس ورقة تفاوض، وحياة المواطن والمقيم ليست وسيلة للضغط، ومنشآت الطاقة والمقدرات الوطنية ليست أهدافاً يمكن الاعتداء عليها ثم انتظار العودة إلى ما قبل الهجوم وكأن شيئاً لم يكن.
وإذا كان الحوثي يعتقد أن وصول صاروخ أو مسيّرة إلى منشأة أو مدينة سعودية يمثل نصراً، فإنه يخطئ في فهم معنى القوة. فالقوة ليست في القدرة على إحداث حريق أو إصابة مدني؛ القوة الحقيقية هي القدرة على حماية دولة، وإدارة اقتصاد، وتأمين شعب، وبناء مستقبل، وامتلاك القرار والإمكانات التي تمنع الخصم من تحقيق أهدافه.
وهذه تحديداً عناصر القوة التي تملكها المملكة.
إن السعودية اليوم ليست السعودية التي يمكن أن ينظر إليها من زاوية المواجهة العسكرية وحدها. نحن أمام دولة أصبحت ثقلاً سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً دولياً، وتمتلك مؤسسات دولة راسخة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية قادرة على حماية الوطن، واقتصاداً ضخماً، وعلاقات دولية واسعة، وقيادة تعرف متى تستخدم الدبلوماسية ومتى يكون الردع ضرورة لحماية الأمن الوطني.
وما جرى في جنوب المملكة كشف جانباً آخر من هذه القوة؛ فالجهات المختصة باشرت التعامل مع تداعيات استهداف مرافق الطاقة، واحتواء الحرائق وتأمين المواقع وتقييم الأضرار والعمل وفق الخطط التشغيلية المعتمدة. وفي الأزمات، لا تقاس قوة الدول فقط بمنع الضربة، وإنما أيضاً بقدرتها على امتصاص آثارها، وحماية السكان، والمحافظة على عمل مؤسساتها، ومنع المعتدي من تحقيق غايته الاستراتيجية.
ولهذا فإن استهداف الطاقة السعودية يحمل مفارقة واضحة: من أراد أن يظهر قدرة على الإضرار بالمملكة، اصطدم بدولة تعرف كيف تحمي منشآتها وتتعامل مع الطوارئ وتواصل أعمالها.
كما أن استهداف قطاع الطاقة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأناً سعودياً داخلياً فحسب. فالمملكة لاعب رئيس في منظومة الطاقة العالمية، واستقرار منشآتها وإمداداتها يرتبط بمصالح اقتصادية دولية واسعة. وعندما يوضع ذلك إلى جانب استمرار تهديد السفن التجارية وحرية الملاحة في البحر الأحمر، فإن الصورة تصبح أكبر من مواجهة بين المملكة والحوثي؛ إنها قضية ترتبط بأمن التجارة والملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا يمكن أن تتوقف عند حدود الإدانة.
فالمملكة دعت بوضوح إلى تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته وتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ومن حقها أن تسأل العالم: إذا كان استهداف المدن والمدنيين ومنشآت الطاقة وتهديد السفن التجارية والملاحة الدولية لا يستوجب موقفاً حازماً، فما الذي يستوجبه؟
إن التساهل مع مثل هذا السلوك لا يصنع سلاماً، وإنما يمنح المعتدي مساحة للاعتقاد بأن بإمكانه تكراره.
والسلام الحقيقي لا يُبنى بالصواريخ.
ولا يمكن لطرف أن يتحدث عن تسوية سياسية بينما يضع المدن المدنية في مرمى سلاحه.
ولا يمكن بناء الثقة مع من يعتقد أن إصابة النساء والأطفال يمكن أن تكون جزءاً من أدوات الضغط السياسي.
ولهذا فإن ما حدث يضع الحوثي نفسه أمام مسؤولية تاريخية عن تقويض فرص السلام، لأنه حين يختار استهداف أراضي المملكة، فإنه لا يعتدي على السعودية فقط، وإنما يضرب أيضاً المسار الذي كان يمكن أن ينقل اليمن من الحرب إلى الاستقرار.
ومع ذلك، يجب ألا نخطئ في قراءة المشهد من زاوية الغضب وحده.
المملكة أقوى حين يكون ردها محسوباً.
وأكثر تأثيراً حين تحدد هي زمان التعامل مع التهديد وطريقته وأدواته وفق مصالحها الوطنية، لا وفق الإيقاع الذي يريد خصمها فرضه عليها.
الدول الكبرى لا تُستدرج، وإنما تختار.
ولا تتحرك تحت ضغط الشعارات، وإنما وفق حسابات الأمن القومي.
ولهذا فإن قوة المملكة اليوم ليست في قدرتها على الرد فقط، بل في امتلاكها القرار المستقل في تحديد شكل الردع الذي يحمي أمنها ويمنع تكرار التهديد ويحافظ في الوقت ذاته على مصالحها الاستراتيجية.
والرسالة التي يجب أن تصل واضحة هي أن المملكة التي مدت يدها للسلام لن تمد يدها للتفريط في أمنها، وأن الدولة التي حرصت على استقرار اليمن لن تسمح بتحويل اليمن إلى منصة لتهديد مدنها، وأن الشعب السعودي الذي يقف خلف قيادته ومؤسسات دولته يعرف جيداً أن أمن وطنه وسيادته خط أحمر لا يخضع للمساومة.
لقد مرت المملكة عبر تاريخها الحديث بتحديات أكبر من أن تختصر في صاروخ أو مسيّرة، وخرجت منها أكثر قوة وتماسكاً. وهذا الوطن لم يُبنَ ليهتز أمام اعتداء، ولم تصل المملكة إلى مكانتها الحالية لتسمح لجماعة مسلحة بأن تفرض عليها معادلة الخوف.
فالسعودية اليوم تعرف حجم قوتها، كما تعرف مسؤوليتها.
تعرف قيمة السلام، لكنها تعرف أيضاً قيمة الردع.
تعرف أن تجنيب المنطقة الحروب هدف يستحق العمل من أجله، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن السلام الذي يقوم على السماح بالاعتداء ليس سلاماً، وأن الاستقرار الذي يأتي على حساب السيادة ليس استقراراً.
ومن هنا، فإن ما حدث في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران يجب أن يُقرأ بوصفه لحظة فارقة لا لأنها أظهرت قدرة الحوثي على الاعتداء، بل لأنها أعادت التذكير بحقيقة أكثر رسوخاً: أن المملكة دولة قوية، وأن سيادتها مصانة، وأن شعبها ومقدراتها تحت حماية دولة تمتلك الإرادة والإمكانات للدفاع عنها.
قد يستطيع المعتدي أن يطلق صاروخاً.
وقد يستطيع أن يرسل طائرة مسيّرة.
وقد يتسبب في حريق أو إصابة.
لكنه لن يستطيع أن يكسر إرادة دولة بحجم المملكة العربية السعودية، ولن يستطيع أن يحول الخوف إلى سياسة سعودية، ولن يستطيع أن ينتزع بالتهديد ما عجز عن تحقيقه بالسياسة.
فالرياض التي اختارت السلام لم تختر الضعف.
والمملكة التي مارست ضبط النفس لم تتخلَّ عن حقها.
والقيادة التي تحرص على أمن المنطقة تعرف قبل كل شيء أن أول مسؤولياتها هي أمن الوطن والمواطن.
وعندما تكون أرض المملكة وشعبها ومقدراتها هي المستهدفة، فإن الدفاع عنها ليس مجرد خيار عسكري أو سياسي، بل واجب سيادي وحق مشروع ومسؤولية دولة.
ولهذا فإن الرسالة بعد اعتداءات الجنوب يجب ألا تكون موضع لبس:
السعودية لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها حين تُفرض عليها حمايةً لأرضها وشعبها. ولا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تسمح بأن يتحول حرصها على السلام إلى فرصة للاعتداء عليها. ومن يختبر صبر المملكة عليه ألا يخطئ في تقدير قوتها؛ فبين الصبر والعجز مسافة كبيرة، وبين الحكمة والضعف وطن اسمه المملكة العربية السعودية.
وطنٌ إذا اختار السلام اختاره من موقع القوة، وإذا دافع عن أرضه فعل ذلك بحق الدولة، وإذا تعلق الأمر بأمن شعبه وسيادته ومقدراته، فلا مساومة ولا تهاون














