/
/
جذورنا العميقة.. وحاضرنا المُلهِم في يوم التأسيس

جذورنا العميقة.. وحاضرنا المُلهِم في يوم التأسيس

Picture of بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

بقلم _ عبدالحميد سعيد المالكي

قبل ثلاثة قرون، وتحديداً في قلب الجزيرة العربية، لم تكن الدرعية مجرد بلدة صغيرة على ضفاف وادي حنيفة، بل كانت فكرةً تكبر في رحم الصحراء. هناك، حيث تلتقي همة الرجال بإرادة الأرض، اجتمع الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على كلمةٍ واحدة: “لا إصلاح بلا وحدة، ولا وحدة بلا دولة”. ومن ذلك اللقاء التاريخي، لم تنطلق شرارة تأسيس دولة فقط، بل انبثقت ملحمةٌ وطنية متصلة الحلقات، نحن اليوم أبطال حلقتها الأخيرة.

نحن في الثاني والعشرين من فبراير من عام ١٤٤٧هـ (2026م)، لا نحتفل بذكرى تأسيس مضت وانتهت، بل نعيش معنى أن تكون ابن هذه الأرض. نحتفل بأننا لسنا وافدين على التاريخ، بل صناع له. يوم التأسيس هو يوم “البصمة الوراثية” لهذا الوطن، اليوم الذي نسترجع فيه ذاكرتنا الجماعية، ونتأمل كيف تحولت طموحات رجال أوفياء إلى كيان شامخ يعانق السماء بطموح أبنائه. إنه يوم نهمس فيه لأنفسنا: “نحن هنا منذ زمن، وسنبقى إلى زمن”.

ما يعنيه لي هذا اليوم شخصيًا، هو ذلك العمق الكبير الذي يربط ماضي أجدادنا بحاضرنا. إنه قصة الكفاح والعزيمة التي تجسدها جدران حي الطريف في الدرعية، وقصة الكرم التي ترويها لنا نقوش طرق القوافل القديمة. عندما أنظر إلى العلم السعودي الأخضر يرفرف خفاقاً، لا أرى مجرد راية، بل أرى دماء شهداء وتاريخ رجال سطروا ببطولاتهم أروع ملاحم الوحدة والبناء. إنه تذكير بأن ما نعيشه من استقرار وازدهار لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة جهود متواصلة لثلاثة قرون من العطاء.
وهذا العام، وأنا أستعد لليلة التأسيس، أتخيل كيف كانت الحياة في ذلك الزمن. كيف كان أجدادنا يستقبلون الصباح في وسط الجزيرة العربية؟ أتخيل مشهد المؤسس الإمام محمد بن سعود وهو يتخذ القرارات المصيرية مع العلماء والأعيان لبناء كيان سياسي موحد. أتخيل كيف كانوا يزرعون النخيل في الواحات، ويغزلون الصوف في البادية، ويحمون الأرض من الأطماع الخارجية. هذه التفاصيل اليومية ليست مجرد حكايات تروى، بل هي بصمة واضحة في شخصيتنا نحن أبناء هذا الجيل. ففي شخصيتنا اليوم ذاك الصبر على العمل، وتلك القيم النبيلة في التعامل كالكرم والجيرة، وذلك الحس الوطني الذي يجعلنا جميعاً يداً واحدة في السراء والضراء.

قد يتساءل البعض: لماذا نحتفي بيوم التأسيس ويوم الوطن؟ والفرق بينهما جميل وعميق. يوم الوطن يحتفل باستعادة الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – للرياض وتوحيد البلاد تحت اسم “المملكة العربية السعودية”، وهو حدث عظيم قرب المسافات وجمع الكلمة. أما يوم التأسيس، فهو احتفاء ببداية هذه القصة، بجذور هذه الشجرة التي امتدت لأكثر من 300 عام. إنه تكريس لمعنى العمق التاريخي، وأن هذه الأرض كانت دائماً نواة لوحدة واستقرار، حتى قبل توحيدها الحديث. نحتفل في 22 فبراير بالإمام محمد بن سعود وتأسيسه للدولة السعودية الأولى التي أرست دعائم الأمن والعلم في الجزيرة العربية.

من أجمل ما يميز يوم التأسيس هو اهتمامه بالرموز الثقافية التي تعبّر عن هويتنا الأصيلة. فنجد شعار “نخلة، صقر، خيل، سوق” يجسد حياتنا بكل أبعادها:

اعلان

· النخلة: ترمز للخير والعطاء والاستقرار في الواحات.
· الصقر: يرمز للشموخ والقوة وارتباط أجدادنا بالصيد.
· الخيل العربي الأصيل: ترمز للفروسية والشجاعة وعزة النفس.
· السوق: يرمز للحركة الاقتصادية والانفتاح على العالم والتجارة التي كانت مزدهرة منذ القدم.

ويبقى العلم السعودي هو الرمز الأقدس والأعظم، ذلك الشاهق الأخضر الذي يرفرف خفاقاً في سماء الوطن. العلم الذي يحمل راية التوحيد “لا إله إلا الله محمد رسول الله” لم يكن يوماً مجرد قطعة قماش، بل هو روح الأمة وضميرها الحي. في يوم التأسيس، نستذكر أن هذا العلم هو ذاته الذي رفعه الأجداد فوق أسوار الدرعية، وحملوه في المعارك دفاعاً عن الأرض والعرض، ثم تناقله الأبناء جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا رايةً للعز والشموخ. في كل مرة ننظر إليه، نرى فيه قصة ثلاثمائة عام من التضحية والصمود والإيمان الراسخ بأن هذه الأرض تستحق أن تُبذل من أجلها الأرواح.

هذه الرموز جميعها، من نخلة وصقر وخيل وسوق، وصولاً إلى العلم الخفاق، ليست مجرد صور أو شعارات، بل هي إرث حي نلمسه في عروبتنا وأصالتنا، ونرى تجلياته في الفنون الشعبية كالسامري والعرضة، وفي الأزياء التقليدية المتنوعة من منطقة لأخرى، وفي المأكولات الشعبية التي لا تزال تزين موائدنا.

ومع أننا نفتخر بماضينا التليد، إلا أن يوم التأسيس يحمل في طياته نظرة تفاؤل للمستقبل. إنه يذكرنا بأن هذا الوطن العظيم لم يولد اليوم، بل له جذور ضاربة في عمق التاريخ. ومن عمق هذه الجذور، يستمد هذا الصرح الشامخ قوته ليصل عنان السماء برؤية 2030 وإنجازات الحاضر. فها نحن نرى مدنًا اقتصادية عملاقة، ومشاريع نوعية في الطاقة المتجددة، واهتماماً غير مسبوق بالثقافة والفنون والرياضة. إنه امتداد طبيعي لتلك الروح التي أسست دولة تحكمها الشريعة وتحمي الإنسان وتطور المكان.

كلما حل يوم التأسيس، أعود لأتصفح ألبوم الذاكرة الجمعي لهذا الوطن. أتأمل وجوه الأجداد في الصور القديمة، بنظراتهم الواثقة وتجاعيدهم التي تحكي قصصاً من الكفاح والعزة. أتأمل حروف الوثائق التاريخية المخطوطة بخط اليد، وكأني أسمع خرير أقلامهم تروي حكاية بناء وطن. في هذا اليوم، لا تنتصر الروح الوطنية فقط، بل تنتصر أيضاً قيم الصبر والجَلد والكرم التي لا تزال تسري في عروقنا.

عندما نرفع علم التأسيس الأخضر اليوم، لا نرفع رمزاً لدولة ولت وانتهت، بل نرفع علم استمرارية. إنه العلم الذي انتقل من درعية الأمس إلى رياض اليوم، ومن أيدي المؤسسين إلى أيدي أبنائهم من القادة، الذين يسيرون على ذات الدرب، ويحلمون ذات الحلم الأكبر. ومهما تعددت المناسبات وتنوعت الاحتفالات، سيظل يوم التأسيس هو تلك الشمعة التي لا تنطفئ، تضيء لنا الطريق إلى ماضينا العريق، لتقودنا بثقة إلى مستقبلنا المشرق.

دام عزك يا وطن، ودامت ذكريات التأسيس نبعاً لا ينضب من الفخر والإلهام لأجيالنا القادمة. كل عام وأنت لنا فخر، وكل عام ونحن لك أبناء أوفياء.

شاركها

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى