/
/
إنذار للبشرية: الحد الأدنى لكوكب الأرض!!

إنذار للبشرية: الحد الأدنى لكوكب الأرض!!

Picture of بقلم _ زيد بن محمد الرماني

بقلم _ زيد بن محمد الرماني

لا يحتاج الأمر لخيال واسع حتى ندرك أن الجنس البشري أصبح الآن يعمل على تغيير الموازين الجيولوجية. لقد أصبحنا نحرك الجبال لاستخراج المعادن من باطنها، ونغير من مجارى الأنهار لنتمكن من بناء المدن السكنية في الصحراء، ونزيل الغابات لزراعة المحاصيل وتربية الماشية، ونغير التركيب الكيميائي للغلاف الجوي بفعل تخلصنا من النفايات. على يد البشر أصبحت الأرض تعاني من تغييرات كثيفة ونحن لا ندرك تماماً نتائجها.
ومن المفارقات المثيرة للسخرية أننا في محاولاتنا لكي تأتي لنا الأرض بمحصول أوفر، نحد من طاقتها على حفظ الحياة لكافة المخلوقات بما فيها الإنسان. وقد بدأت علامات المشاكل البيئية الآن في الظهور. فقد أصبح التوسع في زراعة المحاصيل قليلاً وأصبحت الأراضي الزراعية الحالية تفقد خصوبتها في جزء كبير منها. وقد زاد استغلال المراعي ومصايد الأسماك عن المعدلات مما أدى إلى الحد من كمية الغذاء الإضافي من هذه المصادر. أما المسطحات المائية فقد عانت من سوء الاستعمال والتلوث مما سيحد في المستقبل من الإنتاج والتوسع العمراني. أما الغابات الطبيعية – والتي من شأنها أن تحفظ استقرار المناخ وتنظم امدادات المياه وتأوي التنوع البيولوجي في كوكبنا – فإنها آخذة في الانحسار.
وهذه الاتجاهات ليست جديدة. فقد عملت المجتمعات البشرية منذ بدايتها على تغيير وجه الأرض. ولكن هذا التدهور السريع وعلى نطاق واسع والذي بدأ في هذا القرن وما زال مستمراً لم يعرف له سابقة في التاريخ. وقد أصبح اللغز الأساسي للتنمية المتواصلة أمراً واضحاً تماماً الآن: يحدث النمو السكاني متوازياً مع النمو الاقتصادي ولكن الموارد الطبيعية التي تساندهما لا تنمو معهما بنفس الأسلوب.
وكثيراً ما يستخدم علماء الأحياء مفهوم ((طاقة الاستيعاب)) في المسائل المتعلقة بالضغوط السكانية على البيئة. وطاقة الاستيعاب هي أكبر قدر يمكن لبيئة ما أن تتحمله بالضغوط السكانية على البيئة.
وطاقة الاستيعاب هي أكبر قدر يمكن لبيئة ما أن تتحمله إلى الأبد من أي فصيلة محددة. فإذا زاد السكان عن الحد الأقصى الذي يمكن تحمله يبدأ أساس المورد في التدهور وبعد ذلك بفترة يتدهور هؤلاء السكان.
ونتيجة لحجم تعدادنا وأنماط استهلاكنا والوسائل التكنولوجية التي نستخدمها فقد تجاوز طاقة استيعاب كوكبنا. وهذا يتضح تماماً من المعدل الذي نخرب به ونستنفد رأسمال الطبيعة. لقد أصبحت الأصول البيئية للأرض الآن غير كافية لتحمل الأنماط الحالية لأنشطتنا الاقتصادية ونظم المعيشة التي نعتمد عليها.
لقد انتهت أيام الاقتصاد الحدي عندما كانت الموارد السخية كافية لدفع عجلة النمو الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة. لقد دخلنا إلى عصر يتوقف فيه رخاء العالم أكثر فأكثر على نجاحنا في استخدام الموارد بأسلوب أكثر فعالية وعلى توزيع هذه الموارد بصورة أكثر عدالة وعلى الحد من معدلات الاستهلاك الكلية. وإذا لم نسرع بهذا التحول فقد تحدث اضطرابات اجتماعية شديدة الوطأة بسبب زيادة المنافسة على الموارد القليلة التي ستبقى.
ويتيح لنا استخدام التكنولوجيا بأسلوب أكثر تعقلاً وتميزاً الإمكانات لتحقيق مكاسب هائلة من حيث زيادة فعالية الموارد وإنتاجيتها وبما يساعدنا لنحصل على عائد أكبر من كل هكتار من الأرض ومن كل طن من الخشب أو من كل متر مكعب من الماء. وبهذا الأسلوب قد تسهم التكنولوجيا في زيادة طاقة استيعاب الأرض للبشر بشكل متواصل. وتلعب التجارة أيضاً دوراً هاماً بالرغم من أنه محدود. فإلى جانب إسهامها في نشر الوسائل التكنولوجية المفيدة، قد تمكن بلداً ما من استيراد رأس المال الإيكولوجي من بلد آخر. وبذلك يمكن للتجارة أن تساعد في التغلب على أوجه النقص المحلية أو الإقليمية في الموارد كالأراضي أو المياه أو الأخشاب أو غيرها.
تقول لوري مازور في كتابها ما وراء الأرقام : بهذا الأسلوب تستطيع كل من التكنولوجيا والتجارة أن تشترى الوقت لمواجهة التحديات الأكبر مثل الاستقرار السكاني، والحد من الاستهلاك المفرط وإعادة توزيع الثروات. ومع الأسف فإن المكاسب السابقة في هذين المجالين قد جعلتنا نظن أن أية مشاكل يمكن التغلب عليها، وبناء على ذلك يمكننا أن نتجنب المشاكل الأكثر أهمية. وبدلاً من توجيه التكنولوجيا والتجارة نحو التنمية المتواصلة استخدمناها بطرق تؤدي إلى الإسراع بنفاد الموارد وتدهورها.
إن جذور الإضرار بالبيئة تمتد عميقاً. وإذا لم تنتزع في وقت قريب فإننا سنتعرض لمخاطر تخطى طاقة استيعاب الأرض إلى درجة تجعل من المستحيل تجنب تدهور اجتماعي واقتصادي في المستقبل.
إن التقدم التكنولوجي – والذي نستخدمه هنا بمعنى تطبيق المعرفة على نشاط ما – يتيح على الأقل مخرجاً ولو جزئياً من أزمتنا. فالتحدي الذي نواجهه لإيجاد سبل لتلبية الاحتياجات المشروعة لتعدادنا المتزايد بدون تخريب للموارد الطبيعية يعتبر بالتأكيد من بين أعظم المهام التي اضطر الإنسان لمواجهتها. وفي معظم الحالات لن تكون التكنولوجيا ((المناسبة)) عبارة عن مشروعات هندسية أو تقنيات أو مناهج تمكننا من المطالبة بالمزيد من الموارد الطبيعية، ولكن بدلاً من ذلك ستكون نظماً تسمح لنا بالاستفادة بقدر أكبر من الموارد التي تملكها بالفعل. وطالما أن المكاسب الناتجة توجه من جانب الأثرياء، فإن هذه الجهود ستحد من التأثير الضار للإنسان على الأرض.
وبدون شك أن التقدم التكنولوجي قد دعم مقدرتنا على رفع مستويات المعيشة. فلم يساعد على إيجاد طفرة في الإنتاج الغذائي فحسب وإنما رفع أيضاً من قدرتنا للحصول على مصادر الماء والطاقة والأخشاب والمعادن. ومع ذلك فقد تبين من عدة نواحي أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين.
إننا لن نواجه تحديات العيش على الأرض عيشة مستقرة إذا كانت ساحة المؤتمرات السكانية والبيئية هي الساحة الوحيدة التي سنواجه فيها هذه التحديات. فنجاحنا يتوقف على النشاط والابتكار من جانب أعداد كبيرة تعمل في مختلف مجالات الحياة، وتنتهي وثيقة ((إنذار للإنسانية)) التي كتبها العلماء بنداء إلى علماء العالم وإلى قادة الصناعة والأعمال ولمجتمع رجال الدين وللناس في كل مكان لكي ينضموا لمواجهة المهمة الملحة لوقف التدهور البيئي للكرة الأرضية.

للت

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى