هذه الظاهرة هي في الحقيقة جزء من تفاعل إنساني معقد بين المظهر الخارجي والهوية الداخلية. وإن لم نجد لها مصطلحاً طبياً مباشراً، ففي علم النفس الاجتماعي توجد مفاهيم قريبة تشرح هذا التغير لمحاولة تحليل هذه الظاهرة من منظور اجتماعي ونفسي. فالبشت ليس مجرد رداء حين يُلبس، لطالما كان البشت في ثقافتنا العربية رمزاً للهيبة والوقار والمكانة الاجتماعية. إنه ليس مجرد قطعة قماش تُضاف إلى ثوب يُلبس، بل هو امتداد للتاريخ ومؤشر على مناسبة جليلة أو مقام رفيع. غير أن الملاحظ هو تغير نفوس بعض أبناء القرية الواحدة أو المحافظة أو المنطقة ممن نعرف بساطتهم وأوضاعهم وطبيعة حياتهم؛ أنهم بمجرد ارتدائهم لهذا الرداء، يصابون بحالة تستدعي التوقف والتأمل. هي حالة تتجاوز المقولة التقليدية “الفلوس تغيّر النفوس” لتضع أمامنا معادلة جديدة: “البشوت تغيّر النفوس”.
قرأت مقولة في علم النفس أن هناك مصطلحاً بمفهوم “الإدراك الملبسي”. فهذا المفهوم يشير إلى أن الملابس التي نرتديها لا تؤثر فقط على كيفية نظر الآخرين إلينا، بل تؤثر أيضاً على كيف نشعر بأنفسنا وكيف نتصرف. فإذا ارتدى شخص لباساً يحمل رمزية القوة والسلطة، فإن عقله يبدأ بالربط بين هذا اللباس والسمات المرتبطة به. فالبشت في سياقنا الاجتماعي هو لباس الملوك، الشيوخ، القضاة، ووجهاء القوم. إنه لباس البروتوكولات الرسمية التي تدل على الجدية والقرار والأهمية.
فعندما يرتدي الشخص البشت، يبدأ لاشعورياً في استيعاب هذه الرمزية، ويبدأ في رؤية نفسه ليس كابن القرية البسيط ولد لطيفة وحمده كما هو متعارف عليه عند أهل القرى والبوادي، بل كشخص آخر كلياً يحمل وزر هذا الرمز الاجتماعي الثقيل. وهذا الإدراك قد يمنحه شعوراً مصطنعاً بالتعالي أو الوجاهة، مما يدفعه إلى تغيير طريقة جلوسه وكلامه وحتى نظرته للآخرين. لأن هذا البشت يضعه في فئة اجتماعية جديدة، حتى المقاعد التي يجلسون عليها في المناسبات هي غالباً مقاعد الوجهاء. وهذا الموقع يتطلب منهم تمثيلاً لدور معين يتوقع أن يظهر به مرتدي البشت، فيجد الشخص نفسه مضطراً للعب دور يتناسب مع الهيبة المفترضة للبشت، حتى لو كان يتعارض مع طبيعته المعتادة والمتعارف عليها عند أبناء قريته أو محافظته. الحقيقة أنني مررت بهذه التجربة ولبست البشت في زواج أبنائي وبناتي كونها مناسبة فرح، وهذه من تعابير الأفراح لا تهدف إلى تغيير هوية أو فرض سلطة،
كان البشت بالنسبة لي احتفاءً باللحظة وليس تقمّصاً لشخصية جديدة، وهويتي الداخلية لم أشعر أنها تغيرت. أرى أنها راسخة ومستقرة ومحصنة ضد أي تأثير خارجي، مع أن هناك آراء للكثير يستغربون مني عدم لبس البشت مع القوم في بقية المناسبات. فلم أرغب في أن أعدد الأسباب حتى لا أغتر بنفسي. ما عليكم، نعود لموضوعنا.
فهؤلاء الأفراد قد يكونون أشخاصاً كانت لديهم رغبة مكبوتة في إثبات الذات أو الشعور بالقوة، فوجدوا في البشت بما يحمله من رمزية متجذرة أسرع وأسهل وسيلة لتحقيق هذا الإشباع. هكذا يبدو لي، فلم يرتدوا البشت بصفته تكريماً للمناسبة، بل ارتدوه كقناع اجتماعي يمنحهم شعوراً فورياً بالتعالي والتميز. إنهم يتغيرون لأن البشت يمنحهم السلطة الرمزية التي لم تمنحها لهم خبرتهم أو مكانتهم الحقيقية في السابق. هذا هو تحليلي، خصوصاً بعد مروري بموقف في مناسبة قريبة جداً كدت أن أقع أرضاً لأصل إلى خد معاليه.
فالصراع بين الهوية والأنا هو صراع نفسي اجتماعي بحت. إنها حالة من تضخّم الأنا المؤقت والمستمد من قوة الرمز الخارجي. النظرة المتعالية من أحدهم لم تكن موجهة إليّ بقدر ما كانت محاولة لحماية الأنا الجديدة المتضخمة التي يراها في المرآة، والتي يخشى أن يكشفها سؤال بسيط أو مداعبة ودودة من صديق قديم يذكره بأصله البسيط أو مكانته الحقيقية، أو قد يناديه “يا ولد؟” قبل هذا الرداء.
في الأخير، يظل البشت رمزاً جميلاً لتراثنا لكنه يذكّرنا بأن الوجاهة الحقيقية لا تُخاط بالزري على أطراف الرداء، بل تُنسج من خيوط المبادئ والقيم المستقرة التي لا تتغير بتغير الملبس أو المكان.
بقلم الكاتب: عائض الشعلاني.














