/
/
شحادين TikTok

شحادين TikTok

Picture of بقلم _ عيد راشد الرفاعي

بقلم _ عيد راشد الرفاعي

لم تعد ظاهرة “شحادين TikTok” مجرد سلوك عابر في فضاء التواصل الاجتماعي، بل أصبحت واقعًا واضحًا يتكرر يوميًا أمام ملايين المستخدمين. ومع الانتشار الكبير لتطبيق TikTok، برز نوع جديد من التسول، لكنه هذه المرة لا يتم في الطرقات أو عند إشارات المرور، بل عبر شاشات الهواتف، وبثوث مباشرة تُدار بأساليب مدروسة لاستدرار العواطف أو إثارة الجدل.
يقف البعض أمام الكاميرا لساعات طويلة، يكرر عبارات الطلب، ويستجدي المتابعين للحصول على “الهدايا” مثل الأسد وغيرها، والتي تتحول لاحقًا إلى أموال حقيقية. وقد يلجأ البعض إلى التمثيل، أو المبالغة في عرض مشكلاته، أو حتى افتعال مواقف لجذب الانتباه، في مشهد لا يخلو من الابتذال أحيانًا.
المؤسف في الأمر ليس فقط وجود من يمارس هذا الأسلوب، بل وجود فئة من المتابعين الذين يدعمونه. فمنهم من يدفع بدافع التسلية، ومنهم من يبحث عن لفت الانتباه، وآخرون بدافع التقليد دون إدراك لما يترتب على ذلك. وهنا تتحول العملية إلى حلقة متكاملة: طالب بلا حرج، ومعطٍ بلا وعي.
الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء أصبحوا يُصنّفون ضمن “المشاهير”، ولديهم متابعون بالمئات أو حتى الآلاف، رغم أن المحتوى الذي يقدمونه يخلو في كثير من الأحيان من أي قيمة حقيقية. فلا علم يُنشر، ولا فائدة تُقدّم، وإنما مجرد تكرار لأساليب طلب المال بطرق مختلفة.
إن هذه الظاهرة تعكس خللًا في بعض المفاهيم، حيث أصبح الكسب السريع والسهل هدفًا لدى البعض، حتى وإن كان على حساب الكرامة أو القيمة. كما تطرح تساؤلات مهمة حول دور المجتمع في دعم أو رفض هذه السلوكيات، فكل هدية تُرسل، وكل دعم يُقدّم، هو في الحقيقة تشجيع مباشر لاستمرار هذا النهج.
ولا يمكن إغفال دور المنصات الرقمية التي وفّرت هذه الأدوات، حيث صُممت أنظمة الهدايا والبث المباشر بطريقة تُغري المستخدمين بالتفاعل المالي، دون وجود ضوابط صارمة تحد من استغلال هذه الميزة بشكل سلبي.
في المقابل، يبقى الحل بيد المستخدم الواعي؛ فالمجتمع هو من يصنع الشهرة، وهو من يمنح القيمة. وإذا توقف الدعم عن هذا النوع من المحتوى، فسيتراجع تلقائيًا، وسيُفتح المجال أمام محتوى أكثر فائدة واحترامًا.
وفي الختام، فإن “شحادين TikTok” ليسوا مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشر على حاجة ملحّة لمراجعة سلوكنا الرقمي، والتمييز بين من يستحق الدعم ومن يستغله، حتى لا يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للتسول المقنّع تحت مسمى الترفيه.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى