/
/
تراتيل الروح في مآذن النور.. حين تعانق العشر جبين السماء

تراتيل الروح في مآذن النور.. حين تعانق العشر جبين السماء

Picture of بقلم _ هيثم أحمد القيسي

بقلم _ هيثم أحمد القيسي

من قلب الزحام الذي يذكرك بيوم الحشر في هيبته، ويحاكي جنان الخلد في سكينته، أكتب إليكم هذه السطور.
هنا، في مكة المكرمة، حيث تتلاشى الفوارق وتذوب الألقاب، تصبح -لبيك- اللغة العالمية الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان.

قضيت خواتيم رمضان في رحاب الحرمين الشريفين، ولم تكن مجرد عمرة، بل رحلة استعادة للذات من ضجيج الدنيا إلى سكون الملكوت.

الوقوف أمام الكعبة المشرفة في هذه الليالي المباركة ليس مجرد مشهد بصري، بل زلزال وجداني يهز أركان الروح.

تأملت وجوه الملايين من حولي؛ أتوا من كل فج عميق، اختلفت ألوانهم وألسنتهم، لكنهم توحدوا في دمعة تائب، دعاء ملحّ، وجبين ساجد.

هذا المشهد الملحمي يجعل المرء يدرك عظمة هذا الدين الذي يجمع القلوب على صعيد واحد، في لوحة بشرية لا يمكن لغير مكة أن ترسمها.

اعلان

ما يدهش ويستوقف المرء، هو الإعجاز التنظيمي الذي تشهده المملكة العربية السعودية.
حين ترى تلك الملايين تتحرك كجسد واحد، تدرك خلفها جيوشاً من المخلصين يعملون بصمت واحترافية تفوق الوصف. قيادةً وشعباً، سخروا كل ذرة جهد وطاقة ليجعلوا رحلة المعتمر نزهة إيمانية خالية من الكدر.

إنها عبقرية الخدمة التي تتجلى في أدق التفاصيل، من رذاذ الماء البارد الذي يلطّف الأجواء، إلى الابتسامة التي لا تفارق وجوه المنظمين رغم شدة الزحام، وصولاً إلى الانسيابية التي تجعلك تتساءل
كيف تُدار الأعداد، والأجساد، والعقول، والقلوب في بقعة واحدة بهذا التميز؟

رأيت في مكة والمدينة عظمة الإنسانية حين تهذبها العقيدة، ورأيت كرم الضيافة حين يتحول إلى عبادة.

لم تكن التسهيلات مجرد لوجستيات، بل كانت حضناً دافئاً لكل معتمر وزائر.

السعودية اليوم تقدم للعالم نموذجاً فريداً في إدارة الحشود بروحانية عالية وتقنية متطورة، تجعل القلم والفكر والوجدان عاجزين عن الإحاطة بكل جوانب التميز والإبداع.

نغادر الحرمين وأجسادنا تبتعد، لكن أرواحنا بقيت هناك؛ معلقة بأستار الكعبة، تائهة في رحاب المسجد النبوي.
نعود بقلوب جديدة، مدركين أن هذه الرحلة هي الزاد الحقيقي لمواجهة الحياة، وأن الحرمين الشريفين سيظلان منارة الطهر التي تضيء دروب العالمين.

شكراً لكل يد ممتدة بالخير، وشكراً لبلاد الحرمين التي جعلت من المستحيل التنظيمي واقعاً يفيض طمأنينة وجمالاً.

شاركها

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى