/
/
“السعادة” ليست بضاعة تُشترى

“السعادة” ليست بضاعة تُشترى

Picture of عائض الشعلاني

عائض الشعلاني

حين يتأمل الإنسان حياته على مهل، يكتشف أن الأيام ليست مجرد عدادٍ لأوراق التقويم، ولا ساعاتٍ تنقضي بدقات العقارب، بل هي ممرٌ طويل تتشكل ملامحه من واقعٍ معاش، وتجارب تقلبنا بين الحلو والمر، وتعاملاتٍ يومية تترك فينا أثرها طيلة العمر.

لم تكن الحياة يومًا معملًا جامدًا، ولا معادلةً معقدة، بل هي نبضٌ حي يتأثر بالكلمة الطيبة، وينكمش للجفاء، ويزهر بالوصل والصفاء. وفي قلب هذه الرحلة يقف الإنسان حائرًا أمام السؤال القديم المتجدد: أين تكمن السعادة؟ ولماذا نراها تارةً قريبة مألوفة، وتارةً أخرى كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً؟

الحقيقة البسيطة التي تخلو من أي تكلف هي أن السعادة تسكن حيث تسكن الطمأنينة؛ في صدق العلاقة مع النفس، وفي دفء القرب من الأهل والأصحاب، وفي حسن المعاملة التي تترك في الوجدان أثرًا لا يُمحى.

لن تقيم السعادة بيتًا في قلبٍ مشحونٍ بالصراع الداخلي؛ فالنفس البشرية أمانةٌ ثقيلة، ومفتاح صلاحها يبدأ حين يتصالح الإنسان مع ذاته، ويقبل عيوبها قبل محاسنها، ويترك عنه طلب الكمال المستحيل. والتجارب التي نمر بها طوال أعمارنا، حلوها ومرها، هي المطر الذي يسقي جذور هذه النفس؛ فمنها ما يترك بهجة الفرح، ومنها ما يعصر القلب ألمًا، لكنه في النهاية يصقل الروح ويمنحها نضجًا لا يدركه إلا من عركته السنين.

السعادة، أيها السادة، ليست خلو البال من الهموم، بل هي سعة صدر الإنسان وقدرته على استيعاب المنعطفات برضا ويقين. فحين يفهم المرء نفسه، يدرك متى يعفو، ومتى يصمت، ومتى يغض الطرف عن زلات الناس، ليبقي على ما بينه وبينهم من ود.

اعلان

ولو انغلق الإنسان على نفسه، وعاش في برجٍ عاجي بمعزل عن البشر، لفقد عافية روحه؛ فالإنسان بطبعه كائنٌ اجتماعي، جُبل على حب المحيطين به، وحاجةٍ فطرية إلى الانتماء. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للصلة والرحم، والألفة والتقارب والتزاور؛ فالعائلة، والأقارب، والأصدقاء الأوفياء هم الأكسجين الذي نتنفسه في رحلة العمر.

كم هو مؤلم حقًا أن ترى من يبذل الود كله للبعيدين، ويبخل به على أقرب الناس إليه، فلا يسمع من يجاورونه في البيت أو العائلة إلا التذمر والعتب. إن الروابط الأسرية والاجتماعية ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل هي الملاذ الآمن حين تشتد عواصف الحياة.

فالبهجة الحقيقية تتضاعف حين تُقاسم مع من تحب، والأحزان تخف وتذوب حين يشاركك إياها قريبٌ حنون أو صديقٌ صادق. فالنعمة العظمى هي أن يجد المرء بيتًا يلوذ إليه، ووجوهًا تضيء فرحًا بقدومه، وكلمةً طيبة تجبر الخاطر من إنسانٍ لا يتمنى له إلا الخير.

المعاملات اليومية هي المرآة الصافية التي يظهر فيها جوهر الإنسان ومعدنه؛ فليست العبرة بما نقول، بل بما نتركه في نفوس الآخرين من أثرٍ حسن بعد رحيلنا. فحين يوطن الإنسان نفسه على لسانٍ لين، وخلقٍ سمح، وصفحٍ عن الزلات، فإنه يشتري راحة باله بثمنٍ بخس. كم من مشكلةٍ صغيرة كبرت وأفسدت الود بين الأقارب والأصدقاء لمجرد كلمةٍ قاسية أو ردة فعلٍ متسرعة، وكم من جرحٍ غائر تلاشت مرارته بابتسامةٍ صادقة واعتذارٍ شجاع. فالمعاملة الحسنة ليست ضعفًا، بل هي ذكاءٌ فطري يدرك أن العمر قصير، وأن كسب القلوب أثمن بكثير من الانتصار في الخلافات.

حين يتقدم الإنسان في مسار العمر، وتتراكم في أيامه سنين الخبرة، تتبدل مقاييسه للأشياء؛ فالأمور التي كانت تستنزف طاقته في مرحلة الشباب تصبح في مرحلة النضج هباءً منثورًا لا يستحق التوقف عنده. تعلمنا الأيام أن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة؛ في جلسةٍ هادئة مع العائلة، أو فنجان قهوة يُرتشف بهدوء، أو جبر خاطر محتاج، أو كلمةٍ طيبة تُلقى في الطريق. فالتجارب هي المعلم الأكبر الذي يجرد الإنسان من الغرور، ويعلمه أن النعم زائلة، وأن ما يبقى خالدًا هو الأثر الطيب، والذكر الحسن، والقلب السليم.

إن الإنسان في رحلته الطويلة لا يجمع مالًا، ولا يعمر جدرانًا فحسب، بل يبني شيئًا أعظم بكثير؛ إنه يبني ذاكرةً إنسانية تعوض عليه وحشة الأيام وانقباض الليالي. فتلك المواقف الصغيرة العابرة التي نظنها لا تسترعي الانتباه، هي التي تشكل في النهاية نسغ الحياة وقوامها؛ نظرة فخرٍ من أب، ودمعة فرحٍ من أم، وضحكة طفلٍ بريئة، وتكاتف عائلةٍ في ملمة، واعتذار صديقٍ بعد عتب، كلها مداميك في بناءٍ شاهق من السكينة والطمأنينة.

وحين نغفل عن هذه التفاصيل، ونتورط في الركض المحموم خلف المظاهر الفارغة والنجاحات المادية البحتة، فإننا نخسر، دون أن ندري، جوهر الوجود الإنساني. فالروح لا تشبع بكنوز الأرض إن جاعت إلى مادة الوصل والاحتواء ( العاطفة).

ومن التجارب التي لا تقدر بثمن في مدرسة الحياة، إدراك قيمة التجاهل الواعي، والترفع عن سفاسف الأمور؛ فليست كل معركة تستحق خوضها، وليست كل إساءة تستحق ردًا، وليست كل كلمةٍ ناقصة تستحق وقفة. إن الحكماء هم الذين يعلمون أن إهدار الطاقة العصبية والنفسية في مهاترات الطريق يطفئ سراج السعادة الداخلي. وحين تختار أن تتجاوز، وأن تغمض عينك عن عثرات الآخرين، وألا تلتفت إلى كل ما يشوش صفو خاطرك، فإنك تمنح نفسك حريةً مقدسة؛ فالنفس الكريمة تأنف أن تتلوث بصغائر الخلافات، وتدرك أن راحة بالها كنزٌ لا يعوضه انتصارٌ مؤقت في جدالٍ عابثٍ وعقيم.

الحياة، باختصار، مسيرة قصيرة، ونحن من نحفر ملامحها بأفعالنا وأخلاقنا. فالسعادة ليست بضاعةً تُشترى، ولا هديةً تُمنح صدفة، بل هي ثمرة غرسٍ نتعهدها بالحب، ونرعاها بالصبر، ونسقيها بالوصل والصفاء.

فلعلنا نكون مفاتيح للخير، وغراسًا طيبة تينع بالحب أينما حللنا، ونحفظ ود أقاربنا وأحبائنا، ولنترك خلفنا أثرًا جميلًا يذكره الناس بخير حين نرحل؛ فنبلغ بذلك غاية السعادة في الدنيا، ورضى الرحمن في الآخرة.

✍️ بقلم: عائض الشعلاني.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى