لقد حرَّكتْني نوازعُ الكتابةِ التي لطالما أبعدتُها عنِّي، وابتعدتُ عنها حتى لا أُصابَ بالخيبة كما أصابتِ الخيبةُ غيري فانكسر به المَرْكَبُ وَغَرِقَ في بحارِ اليأس وانقلب على كلِّ ما كان يؤمنُ به، فليس الأمر يعنيني من قَبِيلٍ ولا دبير بعد أن رأيتُ وسمعتُ بأُذُنَيَّ، التي وهبني الله معهما حِسّاً صادقاً كم وكم أنقذني بعدة إرادة الله من التَّهاوي والتَّحطُّطِ في دركات الحياة.
ماذا عليَّ لو سكتُّ وَوَسِعَنِي السكوتُ كما وَسِعَ غيري، وهم ينظرون كما أنظر ويسمعون كما أسمع، ويعالجون ما أُعالِج من مُنَغِّصاتِ الحياة وكدوراتِها التي ما انبنتْ هذه الحياةُ إلَّا عليها، هم يسكتون على خلائق الناس في المماراة والصبرِ على نزقهم المتكرر ورعونة تصرفاتهم إذا وُجِّهُوا وأراد لهم الناصحُ الخيرَ وسعادة الدارين بغير ضرَّاء مُضِرَّة ولا فتنةٍ مُضِلَّة، وهذا ما أردتُه منهم بجامع الترابط معهم في روابط الدين والإخاء والإنسانية.
لكنَّ القلقَ لايبارِحني ولا يترُكُني أعيشُ لذاذاتِ البلادة، ومسرَّاتِ الانفصال عن المبادئ! وهو التبرُّمُ بواقعي وعدم الرضا عنه، ما ذنبي وقد خلقني الله بهذا الخِيم وذلك الطبع الذي لا يُزايِلُنِي كظلِّي معي أينما يممتُ واتَّجهتْ بي الآمال، والعربيُّ الأول معي في هذه النَّحيزة حيث يقول:
وَمَنْ يبتدعْ ما ليس من خِيم نفسِه
يدعْه ويغْلِبْه على النَّفسِ خِيمُها
فليس للمرءِ أن يجتاز بعضَ الصفاتِ التي كُتبتْ له أو عليه إن صحَّ ما رميتُ إليه، له ذلك وفي يده تلطيفُها، إذا ما أراد أن يعيشَ كما يعيش أضرابُه ولِداتُه من الكثرة الكاثرة.
ثُمَّ إنَّه لا يتوقَّلُ هذه الجبالَ، إلّا أولو العزمِ من الرجال، لهم صبرٌ وعزيمة، تكون لهم زاداً وذُخراً في المزالق؛ حتى لا تُطوِّحُ بهم هوجُ الأعاصير التي يصمدُ لها من أوتي بسطةً من العلم والجسم، ورضاً بتصاريف الأيام ونقص الثمرات.














