/
/
عِشْرَةُ العُمْرِ بَيْنَ الأَمْسِ وَاليَوْم

عِشْرَةُ العُمْرِ بَيْنَ الأَمْسِ وَاليَوْم

Picture of بقلم _ محمد سعد آل ماضي

بقلم _ محمد سعد آل ماضي

تتجلى في التماسك الأسري أسمى معاني الوفاء وأعمق صور الشراكة الإنسانية، ولا سيما حين نتأمل مسيرة أزواج صمدوا في وجه عواتي الزمن لأكثر من أربعة عقود. إنها رحلة عبر معترك الحياة، جاب فيها الطرفان دروباً محفوفة بالمصاعب، وذاقا معاً مرارة الظروف وحلاوة الإنجاز، يشد كل منهما أزر صاحبه إذا ألمّ به مرض أو أرهقته أعباء العيش.
لقد قامت الأسرة قديماً على توزيع متكامل للأدوار ورسالة واضحة الهدف؛ فكانت المرأة عماد البيت، تتولى التنشئة والمحافظة على القيم ورعاية الأبناء رعاية قائمة على التحمل والمسؤولية، فكانت نعم السند للزوج، بينما يسعى الزوج ويغترب كادحاً وراء الرزق والكسب الشريف. كُيفت تطلعات الأبناء وفق هذا المنهج القويم، فكان الهم الأكبر للأباء—الذين أضحوا اليوم أجدادنا—يكمن في تأمين الحياة الكريمة وتوفير فرص التعليم، بعيداً عن المشتتات والسطحية التي تحيط بعالمنا المعاصر.
وبالمقارنة بين تلك الحقبة والواقع الراهن، نلمس فارقاً جوهرياً أحدثته المتغيرات الثقافية والاجتماعية. فمع بزوغ عصر منصات التواصل الاجتماعي وانتشار نمط الاستهلاك الحديث، تسرب الفتور إلى البناء الأسري وأحدث شرخاً في العلاقات؛ حيث أضعفت الوسائط الحديثة القدرة على الصبر والمجالدة، واستُبدلت الحوارات الهادئة والتغاضي عن الهفوات بالمقارنة المستمرة والاندفاع نحو الحلول السريعة.
ولم يقف هذا التأثير عند حدود العلاقة الزوجية، بل امتد ليمس الرابطة الأسرية الممتدة. فنحن اليوم، أبناء الجيل الثاني الذي ينعم بظل أولئك الأجداد ورعايتهم، نرى التباين جلياً؛ فقد أثمر غرس الأجداد جيلًا متماسكاً يحمل الأمانة ويصون الرحم، بينما أفرزت التحولات المعاصرة لدى بعض شباب الجيل الجديد جفاءً وقطيعة للرحم، مما أظهر فجوة عميقة في مفهوم التواصل والترابط.
إن استحضار تجربة أجدادنا ليس مجرد حنين عاطفي إلى الماضي، بل هو درس اجتماعي يستوجب استرداد قيم الصبر، والتغافل، والمشاركة الحقيقية التي كفلت للأسر قديماً استقراراً امتد لعقود، ليبقى غرسهم الطيب منارة تهتدي بها الأجيال.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى