في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو الصناعة والإنتاج والابتكار، وتُقاس فيه قوة الدول بما تملكه من مصانع وشركات وفرص عمل، ما زلنا نشاهد صورًا من المبالغة في الإنفاق والبذخ، وكأن قيمة الإنسان فيما يملكه من مقتنيات باهظة الثمن، لا فيما يقدمه لوطنه ومجتمعه.
بعيرٌ بمبلغ أربعة ملايين ريال! وصقرٌ بمليون ريال! وخروفٌ بمئة وخمسين ألف ريال!
بعيرٌ تُدفع فيه الملايين من أجل المفاخرة، وصقرٌ يُشترى بمليون ريال ليصطاد حمامة، وخروفٌ تتجاوز قيمته قيمة أشياء كثيرة يحتاج إليها الناس في حياتهم اليومية. وهنا يحق لنا أن نتساءل: إلى أين نحن ذاهبون؟ وهل وصلت بنا المبالغة في المفاخرة إلى أن تصبح هذه الأرقام أمرًا يستحق التباهي والتنافس؟
أنا لا أعترض على الحلال، ولا على الصقور، ولا على الهوايات التي يحبها الناس، فلكل إنسان اهتماماته وميوله، ومن حق الإنسان أن ينفق ماله فيما يحب ما دام في حدود قدرته ومسؤوليته. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبح التفاخر بالمبالغ الطائلة غايةً بحد ذاته؟ وهل من الحكمة أن تتحول الهوايات إلى سباق مفتوح في الأسعار، بينما يمكن لهذه الأموال أن تصنع فرصًا وتفتح أبواب رزق لعشرات الأسر؟
يا أصحاب الأموال، ويا من تتنافسون في دفع الملايين على المقتنيات النادرة، تخيلوا لو أن جزءًا من هذه الأموال وُجّه إلى الصناعة والإنتاج والاستثمار النافع. تخيلوا لو أن المبالغ التي تُدفع في بعير واحد أو صقر واحد تحولت إلى مشروع صناعي، أو مصنع صغير، أو منشأة إنتاجية توظف عشرة أو عشرين شابًا، وتمنحهم فرصة لبناء مستقبلهم، وتساعدهم على الزواج وتأسيس بيوتهم، وتوفر لهم حياة كريمة.
هنا يكون التنافس الحقيقي؛ حين تتنافس الأموال في صناعة الفرص، لا في صناعة المظاهر.
إن المصنع الواحد لا يقتصر أثره على صاحبه، بل قد يفتح أبواب الرزق أمام عشرات الموظفين، ويحرّك سلسلة من الأعمال للموردين والناقلين والفنيين وغيرهم. وقد يكبر المشروع مع مرور السنوات، فيتحول من منشأة صغيرة إلى شركة توظف المئات، وتنتج سلعة يحتاج إليها السوق، وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني.
ولنتأمل الفرق: مبلغٌ يُدفع في مقتنى واحد قد ينتهي أثره عند صاحبه وهوايته، بينما يمكن للمبلغ نفسه، إذا استُثمر بحكمة، أن يتحول إلى أصل منتج، ومصدر دخل مستدام، وفرص عمل تتجدد عامًا بعد عام.
لسنا ضد الثراء، بل نريد ثراءً يصنع أثرًا. ولسنا ضد التملك، بل نريد تملكًا يرافقه وعيٌ بالمسؤولية. وليس عيبًا أن يقتني الإنسان أغلى الأشياء إذا استطاع إليها سبيلًا، لكن العيب أن يصبح التفاخر بالأسعار مقياسًا للمكانة، وأن ننسى أن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يقدمه من خير، وما يتركه من أثر، وما يسهم به في نهضة مجتمعه.
إن شبابنا اليوم بحاجة إلى فرص عمل، وإلى مشاريع صناعية وتجارية منتجة، وإلى مستثمرين يؤمنون بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء رأس المال. ونحن نملك العقول والكفاءات والقدرات، ولدينا طموحات وطنية كبيرة، فلماذا لا يكون جزء من هذا التنافس في إنشاء المصانع، وتطوير المنتجات، ودعم رواد الأعمال، وتدريب الشباب وتأهيلهم؟
لماذا لا نرى رجل الأعمال يتفاخر بأنه وظّف خمسين شابًا، أو أسّس مصنعًا ينتج سلعة كانت تُستورد من الخارج، أو أنشأ مشروعًا استفادت منه مئة أسرة؟ لماذا لا يصبح صاحب المشروع الناجح قدوةً في مجالسنا، كما يُحتفى بمن يدفع الملايين في مزاد؟
إن الفخر الحقيقي ليس في كم دفعت، بل في كم إنسانًا استفاد، وكم فرصة عمل صنعت، وكم بيتًا ساهمت في بنائه.
ولا يعني هذا أن كل من اشترى بعيرًا أو صقرًا أو خروفًا بمبلغ مرتفع قد أساء التصرف؛ فالأموال أموال أصحابها، والناس تختلف في أولوياتها. لكن من حقنا أن نناقش ثقافة المبالغة في المفاخرة، وأن نسأل عن أثرها في المجتمع، وأن ندعو إلى توجيه جانب أكبر من رؤوس الأموال نحو ما ينفع الناس ويخدم الاقتصاد.
نحن لا نريد أن نحارب الهوايات، بل نريد أن نرفع قيمة الإنتاج. ولا نريد أن نمنع الناس من الاستمتاع بأموالهم، بل نريد أن نرى أموالنا تتحول إلى قوة اقتصادية، ومصانع وطنية، ومنتجات منافسة، وفرص عمل لأبنائنا وبناتنا.
يا من تستطيع دفع أربعة ملايين ريال في بعير، ويا من تستطيع دفع مليون ريال في صقر، ويا من تملك المال الذي يسمح لك بدفع مئة وخمسين ألف ريال في خروف، فكّر يومًا في مشروع صناعي يحمل اسمك، ويعمل فيه أبناؤك وأبناء مجتمعك، ويستمر عطاؤه حتى بعد أن تتوقف المزادات وتنتهي المنافسات.
اجعل لك بصمةً في الصناعة، وساهم في الإنتاج، وافتح باب رزق لشاب يبحث عن عمل، وكن سببًا في استقرار أسرة. فهذه الأعمال هي التي تبقى آثارها، وهي التي تجعل المال وسيلةً للبناء، لا مجرد رقم يُذكر في مجلس للتفاخر.
خاتمة المقال
إن الوطن لا يبنيه البذخ وحده، ولا تنهض الأمم بالمظاهر، وإنما تنهض بسواعد أبنائها، وبعقول منتجيها، وبأموال تتحول إلى مشروعات وفرص وإنجازات.
فلنجعل التنافس بيننا في الصناعة والإنتاج، وفي توظيف الشباب، وفي بناء المصانع والشركات، وفي تقديم ما ينفع الناس. ولنجعل من نجاحنا الاقتصادي مصدر فخرٍ لنا ولأبنائنا.
فالمليون الذي يشتري مظهرًا قد يلفت الأنظار، أما المليون الذي يؤسس مشروعًا منتجًا فقد يفتح أبواب الرزق لعشرات الأسر.
هذه ليست دعوةً إلى ترك الهوايات، بل دعوةٌ إلى إعادة ترتيب الأولويات، وإلى أن يكون للمال أثرٌ يتجاوز صاحبه، وإلى أن نفهم أن أعظم استثمار هو ما يبني الإنسان، ويخدم الوطن، ويصنع مستقبل الأجيال.
الهياط والبذخ.. أموال تُهدر وصناعةٌ تنتظر
بقلم _ عيد راشد الرفاعي
أضواء الوطن
- منذ ساعتين
- 3862
شاركها
-
الهياط والبذخ.. أموال تُهدر وصناعةٌ تنتظرمنذ ساعتين
-
عبدالله الحضبي
انت دائماً متميز يا بو حمود بيض الله وجهك على الكلمة الوطنية...
-
سعودي وأفتخر
ما شاء الله الله يوفقه نموذج يحتذى به لقوة الإرادة....
-
فيصل الغامدي
امتناني وتقديري....
-
عبدالهادي الصويان
المدير الناجح هو الذي ينجح في تحقيق الأهداف، وينجح في التواص...
-
فاطمة المفرح
دامت حروفك سراجاً ينير طريق الكلمة الطيبة . فقد نظمت من الشع...
أخبار المجتمع
-
وفاة والدة اللواء طلال المقاطيمنذ أسبوعين













