/
/
تذكرة غائبة وتكريم غيابي

تذكرة غائبة وتكريم غيابي

Picture of صلاح الطاهري

صلاح الطاهري

 

حين يغدو النص حراً، فإنه يعبر جبهات القتال، ويتجاوز خطوط النار، ويصعد منصات التتويج في سوق السفر العربي لعامين متتاليين لينتزع الذهب لبلدٍ يُراد له أن يسقط من جغرافيا الضوء.

لكن المفارقة الأشد إيلاماً في بلدان الأزمات كاليمن، ليست في قسوة الحصار، بل في تلك المسافة العبثية الفاصلة بين عواصم تعج بالبذخ والأناقة، وجسد كاتب محاصر يعجز عن تدبير خمسمئة دولار ثمن تذكرة عبور لنيل حقه الطبيعي في التكريم والاحتفاء معرض سوق السفر العربي 2026.

 

إن أزمة، الإعلام الثقافي والسياحي في بيئات الحروب تكشف عن عورة البيروقراطية الرسمية وعجزها البنيوي.

اعلان

على الشاشات الباردة، كنت أراقب ابتهاج الزملاء العرب، مسنودين بمؤسسات دولهم التي تفقه أبجديات القوة الناعمة، بينما ينهش الإهمال الحكومي حضورنا الفردي.

قبل أيام، تواصلتُ مع جهات وزارية يفترض أنها معنية بالسياحة والثقافة، لم أكن أستجدي مكرمة، بل كنت أمنحهم فرصة مجانية لرفع اسم الوطن في محفل إقليمي كوني.

النتيجة كانت صمتاً بيروقراطياً مطبقاً، وعجزاً مخجلاً حتى عن صياغة برقية تهنئة كجبر خاطر.

إنه اليُتم اليمني الوطني في أقسي تجلياته، حين تتحول الإنجازات الثقافية إلى عبئ على كاهل مؤسسات كسيحة لا ترى في السياحة سوى المسميات والمخصصات.

لكن الكوميديا السوداء لا تقف عند حدود خذلان الداخل؛ بل تكتمل فصولها السريالية برسالة تصلني اليوم من إدارة الاتحاد العربي للإعلام السياحي تذكرني بـضرورة دفع الاشتراك الشهري….الاتحاد العربي للإعلام السياحي!

في تلك اللحظة، لم أملك إلا أن أبتسم بغصة، وهي ذاتها سخرية المصلوب حين تُطالبه مقصلة المواجع بدفع ثمن مسامير خذلانه.

كيف لمنظومة إقليمية تتغطى بإنجازات الكاتب، وتتغذى على حبره لترصع به تقاريرها السنوية، أن تنفصل عن واقعه المادي والمعيشي بهذا الجفاف الإنساني.

أي عقلية مأزومة هذه التي تطلب التزامات مالية من صحفي حُرم من صعود منصة تتويجه بسبب فقر فرضته الحرب.

إن خمسة عشر عاماً في مهنة المتاعب تُعلمنا أن الجوائز لا تصنع الكاتب، بل إن حبر المبدع وكبرياءه هما من يمنحان تلك الدروع والشهادات قيمتها وبريقها.

حين تختفي بلدان الأزمات من المشهد، لا يتبقى سوى أقلام أبنائها يذودون عن هويتها بجهود ذاتية حارقة.

سنستمر في الكتابة انتصاراً للذات وللوطن الكامن في الحنايا رغماً عن بؤس المؤسسات وجشع المنظمات؛ فالأقلام الحرة قد تحاصرها الجغرافيا ويقتلها العوز، لكنها أبداً لا تنحني، وتترك المسؤولين عراة أمام مرآة عجزهم التاريخي.

والله المستعان

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى