وأنا أراجعُ وأتأمَّلُ مسيرتي في الحياةِ وأتذكَّرُ وأتذكَّر! بدا لي الأمرُ من الصعوبةِ بمكانٍ لا يسطيعُهُ إلَّا القادرون من أولي الرأيِّ والمشورةِ، أجولُ في تجاويفِ الذاكرةِ وأستنطقُ الزمانَ والمكانَ، وأعقدُ الصلةَ بكلِّ شيءٍ حولي من الأشياءِ، وأتوسَّلُ الأيامَ الخوالي أن تعودَ حتى أضبطَ بوصلتي على اتجاهاتٍ عِدَّة، وعلى مناطقَ أوسع أُناورُ فيها أعدائي، وأغفرُ زلاتِ الصادقينَ من أصدقائي
ما أغربَ التاريخَ كيف أعادني
لحفيدةٍ سمراءَ من أحفادي
ولكن لا رياحَ ولا سفنَ ولا شواطئَ بل السكونُ، والعدمُ الموحشُ، والصمتُ الذي يَلُفُّ الذاكرةَ وتَضْمُرُ معه الناقلاتُ العصبية عن دورهِا في إيصال المعلومة إلى الخلايا العصبية في الدماغ، يا الله ما ظننتُ أنَّ الرحلة بهذا التيه وهذا الضياع الكبير! اسمحوا لي أن أُعَبِّرَ بكلِّ ما أملكُ من وسائلِ التعبيرِ التي أُفضي بها عن مكنوناتِ صدري، فلابدَّ للمصدورِ من نفثةٍ يُخرجُ بها ما امتلأ به جوفُه؛ وإلا مات مًيتةً لا أسفَ عليه بعدها ولن أكرِّرَ بيتَ شاهدِ التمثيلِ لأبي نواس:
غيرُ مأسوفٍ على زمنٍ
ينقضي بالهمِّ والحزنِ
إنّما يرجو الحياةَ فتًى
عاشَ في أمنٍ من المحنِ
والبيت، مثالٌ لإجراءِ غير قائم الزيدان، مجرى (ما قائم الزيدان)، وإن كان بيتُ أبي نواس يُساق في كتبِ النحو على سبيل التمثيل لأنَّه متأخرٌ لا يُستشهدُ بشعره، ولكنّ ما دامت الحياةُ تمثيلاً فلا حرجَ عليَّ في سوقِه في غير مساقِه.
يقول أبو الطيب المتنبي:
ومن صَحِبَ الدنيا كثيراً تقلَّبتْ
على عينِه حتى يرى صِدْقَها كذبا
لقد عرف الشعراءُ أكثرَ من غيرهم هذه الحياةَ، لرهافةِ مشاعرهم وشفافيتِها وقدرتِهم على شحنِ الجملةِ الشعريةِ بالمعاني الكبيرةِ والانفعالاتِ العاطفيةِ، يساعدُهم على ذلك الطبعُ الذي ذلَّلَ لهم هذا وأسمحَ لهم قيادةَ المفردةِ مُنَغَّمةً ومُمَوسَقةً، وشَحْنَها بالدلالاتِ المختلفةِ والأبعادِ المتنائية.
وفي قول د.وليد سيف من الإجمال في هذا الموضع من سيرتِه الرائقة (الشاهد المشهود) وذلك عندما يمضي في السردِ ويقولُ: وفي ملتي واعتقادي أنَّ سيرةَ أيِّ إنسانٍ، كائناً من كان، تُقدم مادةً غنيةً للكتابة، وإن بدا أنها بسيطة وعادية، وكان صاحبها غمراً في سواد الخلق، إذا وجدت من يحسن استبطانها وتحويلها إلى نص أدبي ذي قيمة إنسانية وفنِّيَّة”.
في ملَّته واعتقاده ما قاله وفي مِلَّتنا واعتقادِنا؛ أنَّ القولَ ما قال، وذاك أنَّ ما لم يُروَ من المسكوت عنه -من سير الناس- كثيرٌ في الزوايا المعتمةِ مع البسطاءِ من الناس في حشرجاتِ صدورهم وفي أغوارِ نفوسهم، آه لو علمتُم ما علمتُ من أضرابِ هذا وأمثاله والله ما طاب لكم الطعامُ ولا الشراب، قصص تُروى وتطوى لو أبان عنها أصحابُها لكان منها المجلدات الضخام.
إنَّ قدرةَ الكاتبِ على نقلِ تجربةِ حياتِه بأسلوبِ (الحكي) والسرد المتوالي بطريقة أخّاذة، وتفاعُلَه مع الأحداثِ وانعكاساتِها على داخله هي ما يُراد ويُطلب وهي التي تعطي السيرة الذاتية بعداً آخر له طعمٌ جديدٌ لبصمةِ هذا الذي كتب تجربته أيًّا كانت مكانتُه من الخاصَّةِ أمِ من العامة.














