/
/
هل يجب أن نتابع الأخبار أم نتركها؟

هل يجب أن نتابع الأخبار أم نتركها؟

Picture of بقلم _ عبدالحميد بن سعيد المالكي

بقلم _ عبدالحميد بن سعيد المالكي

في عصر تتدفق فيه الأخبار من كل اتجاه، أصبح الإنسان محاطًا بسيلٍ لا ينقطع من المعلومات عبر القنوات التلفزيونية، والمواقع الإخبارية، ومنصات التواصل الاجتماعي. فكل دقيقة تقريبًا تحمل خبرًا عاجلًا، أو تحليلًا سياسيًا، أو تطورًا اقتصاديًا، حتى بات السؤال الذي يطرحه كثير من الناس: هل متابعة الأخبار ضرورة للحياة الواعية، أم أن الابتعاد عنها قد يكون أكثر راحة وسلامًا للنفس؟

من حيث المبدأ، لا شك أن متابعة الأخبار تمنح الإنسان قدرًا من الوعي بما يجري حوله. فالعالم اليوم مترابط بشكل غير مسبوق، وما يحدث في دولة قد يؤثر في اقتصاد دولة أخرى أو في حياة الناس اليومية. لذلك فإن الاطلاع على الأخبار يساعد الإنسان على فهم السياق العام للأحداث، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا في بعض الجوانب، مثل الاقتصاد، أو السفر، أو متابعة القضايا التي تمس المجتمع.

كما أن الأخبار تفتح نافذة على العالم، وتعرّف الإنسان بثقافات مختلفة وتجارب إنسانية متعددة. وقد تسهم في تعزيز الشعور بالمسؤولية تجاه القضايا الإنسانية، سواء كانت كوارث طبيعية، أو أزمات إنسانية، أو مبادرات إيجابية تستحق الدعم والاهتمام.

لكن في المقابل، فإن الإفراط في متابعة الأخبار قد يحمل آثارًا سلبية واضحة، خصوصًا في زمن أصبحت فيه الأخبار السلبية هي الأكثر انتشارًا وجذبًا للانتباه. فمعظم العناوين الإخبارية تركز على الحروب، والأزمات، والكوارث، والصراعات السياسية. ومع التكرار المستمر لهذه الأخبار، قد يشعر الإنسان بأن العالم يعيش حالة دائمة من الفوضى والخطر، حتى وإن كان واقعه الشخصي مستقرًا وآمنًا.

وقد أظهرت دراسات نفسية عديدة أن التعرض المستمر للأخبار السلبية يمكن أن يزيد من مستويات القلق والتوتر لدى الأفراد، ويؤثر في المزاج العام، بل وقد يولد شعورًا بالعجز أو التشاؤم تجاه المستقبل. فالإنسان بطبيعته يتأثر بما يراه ويسمعه، وإذا كانت أغلب المعلومات التي تصل إليه ذات طابع سلبي، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على نظرته للحياة.

اعلان

إضافة إلى ذلك، فإن كثرة الأخبار قد تستهلك وقتًا كبيرًا من يوم الإنسان دون أن تحقق فائدة حقيقية. فبعض الأخبار لا يتجاوز تأثيرها دقائق أو ساعات، ومع ذلك يقضي الناس وقتًا طويلًا في متابعتها وتحليلها ومناقشتها، بينما قد يكون هذا الوقت أكثر فائدة لو استُثمر في العمل أو التعلم أو تطوير الذات.

ومن التحديات المعاصرة أيضًا انتشار الأخبار غير الدقيقة أو المضللة، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ففي ظل سرعة النشر، قد تنتشر معلومات غير مؤكدة أو تحليلات مبالغ فيها، ما يخلق حالة من الضبابية ويجعل القارئ في حيرة بين الحقيقة والشائعة.

لهذا يرى كثير من المختصين أن الحل لا يكمن في الانقطاع التام عن الأخبار، ولا في الغرق الكامل فيها، بل في تبني منهج متوازن يقوم على الاعتدال والوعي. فمتابعة الأخبار بشكل محدود ومن مصادر موثوقة يمكن أن يحقق الفائدة دون أن يثقل النفس أو يستهلك الوقت.

وقد يكون من الحكمة أن يخصص الإنسان وقتًا محددًا للاطلاع على أهم الأخبار، مرة واحدة في اليوم أو عدة مرات في الأسبوع، بدل المتابعة المستمرة على مدار الساعة. كما أن اختيار المصادر الجادة والرصينة يساعد على الحصول على معلومات دقيقة بعيدًا عن الإثارة والمبالغة.

في النهاية، يبقى الإنسان هو المسؤول عن إدارة انتباهه ووقته. فالأخبار أداة من أدوات المعرفة، لكنها ليست غاية بحد ذاتها. والوعي الحقيقي لا يعني أن يعرف الإنسان كل ما يحدث في العالم لحظة بلحظة، بل أن يمتلك القدرة على التمييز بين ما يستحق المتابعة وما يمكن تجاوزه.

لذلك، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل نتابع الأخبار أم لا؟ بل: كيف نتابعها بطريقة تحافظ على وعينا دون أن تفقدنا هدوءنا وسلامنا الداخلي. فالحكمة تكمن في التوازن، حيث نأخذ من الأخبار ما يفيدنا، ونترك ما يثقل القلب ويشغل الفكر دون جدوى.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى