/
/
من التحالف إلى التصادم… كيف فشل مشروع الانتقالي في كسب الرياض؟

من التحالف إلى التصادم… كيف فشل مشروع الانتقالي في كسب الرياض؟

Picture of بقلم _ صلاح الطاهري

بقلم _ صلاح الطاهري

‏لم يكن التوتر الذي طفا إلى السطح في العلاقة بين المملكة العربية السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي حدثاً طارئاً أو زلة سياسية عابرة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من سوء التقدير وتراكم الأخطاء والرهانات الخاطئة، التي قادت المشروع الإنتقالي إلى طريق مسدود إنتهى بالاصطدام مع الدولة التي تمسك بمفاتيح القرار في الملف اليمني.
‏ فمنذ اللحظة الأولى، أخطأ المجلس الإنتقالي في قراءة طبيعة الدور السعودي، وخلط بين الدعم التكتيكي المؤقت الذي تفرضه ظروف الحرب، وبين القبول الإستراتيجي الذي لا يُمنح إلا لمشاريع الدول لا لمشاريع الأمر الواقع.
‏ظنّ أن السيطرة العسكرية في عدن وبعض مناطق الجنوب، بدعم إقليمي، كافية لتحويله إلى كيان سياسي معترف به، متجاهلاً أن الرياض لا تتعامل مع اليمن من زاوية الشعارات أو الإصطفافات الآنية، بل من منظور الأمن القومي والجغرافيا السياسية ومآلات الإستقرار على المدى البعيد.

‏ومع مرور الوقت، راكم المجلس الإنتقالي أخطاءه حين إختار الصدام مع الشرعية اليمنية بدل العمل ضمنها، وسعى إلى تقديم نفسه كبديل لا كشريك، في تجاهل واضح للأساس الذي قامت عليه مشاركة السعودية في اليمن، والمتمثل في دعم الدولة المعترف بها دولياً والحفاظ على وحدتها.
‏هذا المسار لم يضع الإنتقالي في مواجهة الشرعية فحسب، بل وضعه تدريجياً في مواجهة الرياض نفسها، التي لا ترى في تفكيك الدول مدخلاً للاستقرار، ولا في المليشيات نواة قابلة للتحول إلى دولة.
‏ وزاد الأمر تعقيداً حين حاول المجلس توسيع نطاق تحركاته خارج الجنوب باتجاه حضرموت والمهرة، في خطوة لم تُقرأ سعودياً باعتبارها مجرد مناورة ميدانية، بل كرسالة سياسية خطيرة تمس عمقاً جغرافياً حساساً يشكل خط الدفاع الأول للأمن الوطني للمملكة.

‏في موازاة ذلك، بنى المجلس الإنتقالي رهاناته على فرضيات ثبت لاحقاً أنها واهية.
‏راهن على وجود خلافات داخل التحالف العربي، وتوهم أن أي تباين في المصالح بين الرياض وأبوظبي يمكن تحويله إلى فرصة لتعزيز موقعه، متناسياً أن التحالفات الكبرى تحكمها اعتبارات أمنية عليا لا تسمح بتجاوز الخطوط الحمراء.
‏ كما راهن على إرهاق السعودية من الحرب، معتقداً أن طول أمد الصراع سيدفعها إلى القبول بأي كيان مسلح يوفّر استقراراً شكلياً في الجنوب، غير مدرك أن الرياض ترى في الكيانات المسلحة خطراً مؤجلاً لا حلاً مستداماً. الأخطر من ذلك، أنه راهن على فرض الأمر الواقع بالقوة، في قراءة قاصرة لتوازنات الإقليم، حيث لا تُمنح الشرعية بالسلاح، ولا يُعترف بالدول عبر السيطرة الميدانية، بل عبر القدرة على إدارة الجغرافيا والإنسان والمؤسسات ضمن إطار سياسي جامع.

‏في المقابل، لم يكن التحول في الموقف السعودي وليد إنفعال أو رد فعل لحظة، بل ثمرة مراجعة عميقة لتجربة سنوات من الصبر والإحتواء. فقد أدركت المملكة أن استمرار المشاريع الموازية للدولة في اليمن، مهما بدت منضبطة مؤقتاً، يحمل في جوهره بذور فوضى مستقبلية قد تتجاوز كلفتها السياسية حدود اليمن إلى داخل الأمن السعودي ذاته. من هنا، جاء التشدد الواضح تجاه أي تحركات تمس حضرموت والمهرة، بوصفهما جغرافيا سيادية لا تقبل التجريب ولا المناورة، وجاء الرفض الحاسم لأي مسار يؤدي إلى تفكيك اليمن، لما يعنيه ذلك من تعدد الجبهات وفتح شهية التدخلات الإقليمية وتوسيع هامش النفوذ الإيراني عبر بوابة الإنقسامات الداخلية.
‏ وفي هذا السياق، أعادت الرياض تعريف التحالف، ليس كمساحة مفتوحة لتعدد الأجندات، بل كإطار منضبط له هدف واحد… يمن موحد، مستقر، يمكن التعامل معه كدولة لا كخارطة مليشيات.

اعلان

‏وهكذا، وجد المجلس الإنتقالي نفسه أمام حقيقة سياسية صلبة… مشروعه، بصيغته الحالية، بلا أفق إستراتيجي.
‏فقد أخفق في كسب ثقة الرياض لأنه لم يفهم طبيعة دورها، وراهن على القوة بدل السياسة، وتجاوز الجغرافيا المسموح بها، وارتبط بأجندة إقليمية لا تنسجم مع أولويات المملكة ولا مع منطق الإستقرار.
‏لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان هذا المشروع سينجح أو يفشل، فالفشل بات واضحاً في جوهره، بل كيف سيتم إحتواؤه أو تفكيكه بأقل كلفة ممكنة، ودون أن ينزلق اليمن إلى موجة جديدة من الفوضى. ففي اليمن، كما أثبتت التجربة، قد تفرض المليشيات حضوراً مؤقتاً، لكنها تعجز دائماً عن بناء دولة، والسعودية، بحساباتها الباردة، لا تراهن على المؤقت ولا تستثمر في مشاريع بلا مستقبل.

شاركها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى