لا شك أن الغيرة غريزة مغروسة في جميع المخلوقات، وهي شعور فطري أودعه الله في النفوس لتبقى الحياة متوازنة، تحفظ الحقوق وتصون الكرامة، وتدفع الإنسان إلى التميز والعطاء. غير أن هذه الغريزة كسائر الطبائع، قد تكون طريقًا إلى الخير إذا وُجِّهت الوجهة الصحيحة، وقد تنقلب شرًّا إذا أسيء استعمالها أو جاوزت حدودها.
تنقسم الغيرة إلى قسمين:
1-غيرة محمودة
2-غيرة مذمومة.
1- فالغيرة المحمودة هي التي تُشحذ بها الهمم، وتُبنى بها الحضارات، ويتنافس بها الناس في ميادين الشرف والفضل والابتكار. إنها الغيرة التي تُلهب روح الإبداع، وتدفع الأمم إلى التقدّم، والأفراد إلى التميز، والمجتمعات إلى الارتقاء. فهي غيرةُ طالبٍ على زميله الذي تفوّق عليه، فتكون حافزًا للمثابرة لا للحسد. وغيرةُ العامل على من أتقن عمله، فتدفعه لتحسين أدائه لا لعرقلة غيره. إنها غيرةٌ تبني ولا تهدم، وتُقرّب ولا تُفرّق، لأنها غيرةٌ منضبطة بالعقل والخلق، ومقيدة بقيم الدين والإنسانية.
2- أما الغيرة المذمومة، فهي نارٌ تأكل القلب قبل أن تحرق غيرها، وتنشأ من ضعف الإيمان وضيق النفس وسوء الظن بالناس. هي التي تحوّل التنافس إلى عداوة، والغيرة إلى حسد، والطموح إلى حقد. وهي السبب في كثير من تعاسة الأسر وتفكك المجتمعات، بل وسقوط الدول حين تستبد بها روح الأنانية وتغيب عنها العدالة. كم من بيتٍ هُدم بسبب غيرةٍ عمياء، وكم من صداقةٍ انقضت بسبب نفسٍ لم تطق أن ترى الخير في غيرها، وكم من نعمةٍ زالت حين استُبدلت الغبطة بالحسد.
إن الغيرة المذمومة لا تعرف العدل ولا ترضى بالحق، فهي داءٌ يطمس البصيرة ويُفسد القلوب، لأنها لا تفرح بالنجاح إلا إذا كان من نصيب صاحبها، ولا تحزن إلا إذا رأت السعادة في غيرها.
-أما العاقل فهو من يزن غيرته بميزان الشرع والعقل؛ يغار على عرضه ودينه وكرامته دون إفراط أو تفريط، ويغار للحق لا على الحق. يجعل من غيرته دافعًا للبناء لا للهدم، وسبيلاً للإصلاح لا للفساد. فالغيرة إذا وُضعت في موضعها كانت فضيلة، وإذا تجاوزت حدها صارت رذيلة.
-وفي نهاية المطاف، تبقى الغيرة مقياسًا دقيقًا لنقاء القلب وسموّ النفس؛ فإن كانت ممزوجةً بالنية الصالحة والرغبة في الخير، كانت وقودًا للعطاء والتميّز، وإن خالطها الحسد والأنانية صارت نارًا تلتهم صاحبها قبل أن تصيب غيره.















2 تعليقات
الغيرة محمودة فعلا عندما تكون لأجل الدين ولأجل الشريعة وليس لأجل نفسه
احسنتم سعادة الامير عبدالله بن محمد بن عثيمين
الغيرة في الإسلام بمثابة السياج المنيع الذي يحمي المجتمع الإسلامي من تسلل الرذيلة والفاحشة
جزاكم الله خيرا يا شيخ عبدالله