في إحدى الأمسيات، اجتمعت أسرة حول مائدة العشاء. كان الأب في مكانه المعتاد، والأم بجواره، والأبناء يتوزعون حول المائدة، وكل شيء يوحي بأن العائلة تعيش لحظة جميلة من الألفة والاجتماع.
لكن شيئًا واحدًا كان غائبًا عن ذلك المشهد.. الحديث.
كان أحدهم يبتسم لهاتفه، وآخر يتابع مقطعًا قصيرًا، وثالث يكتب رسالة لشخص بعيد، بينما تمر الدقائق دون أن يسأل أحدهم الآخر كيف كان يومه.
والمفارقة أن الجميع كانوا يتواصلون مع أشخاص خارج المنزل، بينما أقرب الناس إليهم يجلسون على بُعد خطوات.
لا أظن أن المشكلة في الهواتف، فقد منحتنا التقنية ما لم يكن متاحًا لمن سبقونا، وقرّبت المسافات، وجعلت العالم أكثر اتصالًا. لكننا ربما لم ننتبه إلى أن المسافة لا تُقاس دائمًا بالأمتار، وأن الغياب قد يحدث حتى ونحن نجلس في المكان نفسه.
تخيلوا لو أن أحد أفراد تلك الأسرة سافر أسبوعًا كاملًا، كم رسالة ستُرسل إليه؟ وكم مرة سيسألونه عن أخباره؟
ثم تخيلوا أنه عاد وجلس بينهم، فهل سيحظى بالاهتمام نفسه؟
هنا تحديدًا تكمن المفارقة.
لسنا بحاجة إلى التخلي عن هواتفنا حتى نقترب ممن نحب، لكننا بحاجة أحيانًا إلى أن نرفع أعيننا عنها.
فليس كل من يجلس بجوارك حاضرًا معك، وليس كل من يبتعد عنك غائبًا عن قلبك. وربما يأتي يوم نشتاق فيه إلى أصوات كانت تجلس معنا كل مساء، لكننا كنا مشغولين عنها بأصوات بعيدة.














