«أوريكا! أوريكا!» أي «وجدتها! وجدتها!» صيحة زميلي العالم الإغريقي أرخميدس، حين توصل إلى اكتشافه الشهير الذي أطار رأس الصائغ وهو «منسدح في البانيو»، وها هو التاريخ يعيد نفسه معي، فقد صرخت أنا الآخر: «لقيتها! لقيتها!» وأنا مسترخٍ على أريكتي بوضعية «التيكة الأليمة»، بعد أن توصلت إلى تشخيص ظاهرة اجتماعية قديمة، زاد من وضوحها انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فأطلقت عليها – مستعينًا بالله – «متلازمة الترزز»، وأنا الآن بصدد الرفع إلى الجهات المختصة لتسجيلها باسمي، لضمان حقوقي الفكرية، لكنني لن أقيم حفلًا للاحتفاء بهذا الإنجاز، خشية أن أُبتلى بأحد «المترززين»!
هناك «وجه» متطفل على المشهد مبتلى بحب الظهور، نصادفه في كل محفل؛ في المناسبات الاجتماعية، والوطنية، وحفلات التكريم، وافتتاح المتاجر والمراكز التجارية، وربما حتى افتتاح «بوفيه» في آخر الحارة! ولا غرابة في حضوره، فالدعوة عامة، و«حيّ الله الجميع»، ولست أعني الشخصيات المجتمعية التي نتشرف بوجودها في كل محفل فهي تزيد المحفل و أهله شرفا، وإنما أعني من يحضر مع عامة الناس، ثم يتصرف وكأنه ضيف الشرف! لكن الغرابة أن صاحبنا لا يكتفي بمكانه بين الحضور والاستمتاع بفقرات الحفل، بل يرى أن الدعوة العامة تمنحه حق مزاحمة أصحاب المناسبة وضيوفها الرسميين، وكأن الواجهة جزء من حقوقه المكتسبة، ولسان حاله يردد: «ماني بمن يأتي ولا يُدرى به!»
وما إن تطأ قدماه موقع المناسبة حتى تبدأ أعراض المتلازمة؛ يجهز كاميرا جواله، ويمسح المكان مسحًا شاملًا بعينيه وقدميه؛ يتفقد الصفوف الأمامية، ويراقب حركة المسؤولين وكبار الضيوف، حتى إذا لمح شخصية مرموقة، انطلق نحوها بخطوات الواثق، متخذًا من السلام والترحيب وسيلة لشق طريقه، ولو اضطر إلى مصافحة نصف الحضور، وبعضهم مرتين! فإذا وصل إلى مبتغاه، التصق بالمشهد حتى تحتار في صفته؛ فالمنظمون يحسبونه من مرافقي المسؤول، والمسؤول يحسبونه من أصحاب المناسبة، وأصحاب المناسبة يحسبونه من اللجنة المنظمة، وهو وحده يعرف أنه لا ينتمي إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!
وتبلغ المتلازمة ذروتها حين يسمع صوت غالق الكاميرا، أو يلمح وميض فلاش، أو يرى أحدًا يرفع جواله لالتقاط صورة أو تسجيل مقطع فيديو؛ فتجده «ينطنط» كأنه كرة تنس، مرة بجوار المسؤول، وأخرى خلف المكرَّم، وثالثة يتوسط أصحاب المناسبة! بل إن الأعراض قد تشتد عليه إلى درجة أنه لو رأى جهاز المساحة الذي يستخدمه المسّاحون لقياس الأراضي، لمرّ من أمامه وهو يعدّل شماغه، ظنًّا منه أنه كاميرا تلفزيونية تنقل الحدث على الهواء مباشرة! فلا عجب أن تجده في صور معظم المناسبات، وكأن ظهوره فيها أحد شروط اعتمادها!
ولا تنتهي مهمته بانتهاء الحفل، بل تبدأ مرحلة جني الثمار؛ فيعود إلى منزله لفرز الصور و الفيديوهات، وانتقاء ما يظهره بجوار أصحاب المناصب، ثم نشرها مصحوبة بعبارات من قبيل: «تشرفنا بالحضور والمشاركة في هذا المحفل»، مع أن مشاركته لم تتجاوز مزاحمة المصور وإرباك المنظمين! والطريف أنك لو سألته عما دار في المناسبة، فقد لا يسعفه الجواب، أما أسماء الذين ظهر بجوارهم، فيحفظها عن ظهر قلب!
وأخشى أن يقرأ صاحبنا هذا المقال، فلا يعترض على ما كتبت عنه، بل على أنني لم أضع صورته بجوار العنوان!
ولهذا أقول لذلك «الوجه»: لا تصير «عكوز بكوز، في كل محفل مركوز»… ترى محد درى عنك.. ياخي تراك غثيث!













